إفتتاح السنة الطقسيّة-أحد تجديد البيعة

You are currently viewing إفتتاح السنة الطقسيّة-أحد تجديد البيعة

الخوري نسيم قسطون:

حين كان يسوع يتمشى في رواق سليمان في هيكل أورشليم خلال عيد التجديد (يو 10\ 22-42(  الّذي يذكرنا بتطهير المكابيين للهيكل من رجس الهيمنة الوثنية، أحاط به اليهود يسألونه أن يصرح لهم هل هو المسيح، ولم تكن نيتهم الإيمان به بل اقتناص كلمة ليشتكوا عليه ويرجموه. لم تكن الأعمال العظيمة التي صنعها كافية لإقناع قلوبهم المتحجرة، لأنهم لم يكونوا من خرافه التي تسمع صوته وتتبعه.

هذه الحادثة لا تنتمي إلى الماضي فقط، بل هي صورة لواقعنا اليوم، حين تملأ أصوات كثيرة آذاننا: أصوات المنجمين والدجالين، أصوات التعصب والكراهية التي تستر بالدين، أصوات وسائل التواصل الاجتماعي التي ترجم الناس بالكلمات الجارحة وتلوم الله على مصائب نحن من صنعناها، وأصوات الانشغالات اليومية التي تسرق وقتنا وتبعدنا عن الصلاة والتأمل في كلمة الله.

قال القديس أوغسطينوس في تأمله لهذا المقطع: «لا تسمع خرافي صوتي بالأذن فقط، بل بالقلب؛ فالإصغاء الحقيقي هو الطاعة والاتباع، لا مجرد السماع بالجسد». وهنا يكمن التحدي العملي أمام كل منا: هل نخصص وقتاً يومياً ولو قصيراً للقراءة العميقة للكتاب المقدس بدلاً من ضياع الساعات في تصفح الشاشات؟ هل نحضر القداس بذهن صافٍ لا بجسد حاضر وفكر شارد؟ هل نفصل بين واجباتنا الدينية الشكلية وسلوكنا اليومي في العمل والبيت والتعامل مع الآخرين؟

يذكرنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن «الخراف لا تتبع غريباً، لأنها لا تعرف صوت الغرباء»، ويدعونا إلى فحص ضمير صادق: متى كانت آخر مرة غفرنا لمن أساء إلينا؟ متى شهدنا لمحبة المسيح في تصرفاتنا بدلاً من أن نكون عثرة أمام من يبحث عن الله؟ متى جددنا علاقتنا بسر الإفخارستيا الذي هو غذاء حياتنا الأبدية؟

التجديد الذي نحتاجه لا يتطلب تغييرات كبيرة دفعة واحدة، بل خطوات عملية بسيطة وثابتة: أن نبدأ يومنا بصلاة قصيرة، أن نقرأ آية من الإنجيل ونتأمل فيها قبل أن نفتح هواتفنا، أن نمتنع عن كلمة جارحة أو حكم مسبق على غيرنا، أن نصالح من تخاصمنا معه. بهذا نكون حقاً من خراف المسيح، نسمع صوته وسط ضجيج العالم، ونتبعه لا بالكلام فقط بل بالحياة، فنصبح نوراً للعالم وملحاً للأرض كما دعانا.

يدعونا إذًا عيد التجديد إلى أن نسأل ذواتنا: ما الّذي يحتاج إلى أن يتجدّد في داخلنا؟

اترك تعليقاً