الأحد الأخير بعد عيد الصليب

You are currently viewing الأحد الأخير بعد عيد الصليب

الخوري نسيم قسطون:

يشبه الإنسان في روحه مريضاً يبحث عن شفاء. وقد شخّص الله داء البشريّة في الأنانيّة وحبّ الذات، ووصف لها الدواء الناجع: المحبّة. لكنّ هذه المحبّة ليست عاطفةً عابرةً تُردَّد على الشفاه أو شعوراً ننتظره ليحلّ علينا، بل هي قرارٌ يوميٌّ يتجسّد في أفعالٍ ملموسةٍ تبدأ من حيث نقف، مع من نعيش، وفي أبسط تفاصيل الحياة

فدرب القداسة لا ينتظر ظروفاً استثنائيّةً ولا لحظاتٍ بطوليّة، بل يُشقّ في صميم الواقع العادي. يبدأ في البيت حين يغضّ الزوج عن تقصيرٍ صغير، أو حين تُؤجِّل الزوجة عتاباً لأنّ شريكها عاد منهكاً من عمله. ويمتدّ إلى مكان العمل حيث الكلمة الطيّبة للزميل المتعب والصبر على اختلاف الطباع، وإلى الحيّ حيث المشاركة في فرح الجار وحزنه. القداسة، ببساطة، هي أن تلتفت إلى من يعيش بجانبك كلّ يوم قبل أن تبحث عمّن هو بعيدٌ عنك.

غير أنّ هذه المحبّة العمليّة تفقد روحها إن انفصلت عن علاقتها بالله. فمنذ تجسّد المسيح، توحّدت صورة الخالق بالإنسان توحّداً لا انفصام فيه، فأصبح من المستحيل ادّعاء محبّة الله مع غضّ الطرف عن الجائع والعطشان والغريب والسجين (متى 25: 31-46). وفي المقابل، تبقى الأعمال الإنسانيّة مجرّد نشاطٍ اجتماعيٍّ إن لم تنبع من صلاةٍ حيّةٍ ومن توبةٍ متجدّدة. صيغة الخلاص ليست “الله أو الإنسان” بل “الله والإنسان” معاً، فالطقوس تمنحنا القوّة والمحبّة تمنح الطقوس معناها.

وهنا يكمن التحدّي الأكبر: أن نعطي لا من فائضنا بل من حاجتنا، مدركين أنّ المحتاج هو من يُغنينا لأنّ المسيح حاضرٌ فيه. كما أنّ المواهب التي وُهِبت لنا ليست كنزاً ندفنه في الأرض خوفاً من الفشل أو راحةً في الكسل، بل هي وزناتٌ تُثمِر حين نضعها في خدمة الآخرين. عمليّاً، يعني هذا أن نبدأ اليوم: بزيارة مريضٍ نؤجّلها منذ أسابيع، أو بمصالحة قريبٍ قطعتنا عنه الخلافات، أو بإطعام جائعٍ من طعام مائدتنا لا من فضلاتها.

في هذا المعنى، يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: “لا تُكرِم المسيح في الكنيسة بثيابٍ حريريّةٍ ثم تحتقره في الخارج عارياً جائعاً”. ويُلخّص القدّيس يوحنّا الصليب الطريق كلَّها بقوله: “عند مساء الحياة، سوف نُدان على الحبّ”. فليست العبرة بكمّيّة ما نملك أو نؤدّي من طقوس، بل بقدرة محبّتنا على أن تصير خبزاً يُكسر للجائع، ووقتاً يُمنح للمريض، وكرامةً تُعاد للمهمَّش.

اترك تعليقاً