الأحد الأول بعد عيد الصليب

You are currently viewing الأحد الأول بعد عيد الصليب

الخوري نسيم قسطون:

يسألنا يسوع اليوم سؤالاً لا يحتمل التهرّب: “ماذا تريدان أن أصنع لكما؟” (مرقس 10: 35-45).

إنّه سؤال عمليّ بامتياز، يفرض علينا أن نفتح دفتر حياتنا اليوميّ ونراجع ما ننفق فيه أوقاتنا وطاقتنا. هل نسعى في عملنا إلى إثبات تفوّقنا على زملائنا أم إلى إنجاز مشترك يخدم الجميع؟ هل نطلب في صلاتنا ما ينفعنا حقّاً أم ما يرضي أهواءنا اللحظيّة؟

الواقع أنّ كثيراً من صلواتنا تشبه طلب ابني زبدى: نريد المجد دون الكأس، والعرش دون الصليب. نريد نتائج سريعة دون أن ندفع ثمن الصبر والتضحية. وهنا تكمن الخطورة العمليّة: حين نطلب من الله ما يخالف مشيئته، نكون كمن يطلب حجراً ظانّاً إيّاه خبزاً. لذا، أوّل خطوة عمليّة هي أن نعيد صياغة صلواتنا: بدل “أعطني هذا المنصب”، لنقل “أعطني الحكمة لأخدم حيث أنا”.

في حياتنا المهنيّة والاجتماعيّة، يسهل أن ننزلق إلى منطق الربح حيث يصبح المعيار الأوحد. نرى ذلك حين تتحوّل الأعمال الخيريّة إلى منصات لتلميع الصور، وحين تصبح المناصب العامّة أدوات للثراء الشخصي. الطموح ليس خطيئة، لكنّه يصبح سامّاً حين يبتلع المجانيّة ويستغلّ حاجة الآخرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم يقول: “إنّ من يهتمّ بخلاص نفسه فقط ولا يبالي بالآخرين لا يمكنه أن يخلص”، مذكّراً إيّانا أنّ الخدمة ليست خياراً ثانويّاً بل شرطاً جوهريّاً للإيمان.

عمليّاً، كيف نعيش هذا؟ نبدأ بأبسط الأمور: أن نصغي إلى من حولنا قبل أن نتكلّم، أن نقدّم يد المساعدة دون إعلان، أن نقبل المهام المتواضعة في عائلاتنا وكنائسنا وأماكن عملنا دون تذمّر. والقديس باسيليوس الكبير يهزّ ضمائرنا بقوله: “الخبز الذي تحتفظ به في خزانتك هو خبز الجائع”، مبيّناً أنّ ما نملكه ليس ملكنا بل وديعة لخدمة القريب.

في زمن الصليب، لا يُدعينا الربّ إلى أحلام ورديّة بل إلى واقعيّة متجذّرة في المحبّة. فلنبحث عن حضوره في الكلمة والقربان ووجه الإنسان، ولنكتشف أنّ العظمة الحقيقيّة ليست في الصعود، بل في الانحناء لرفع من هم في الأسفل.

اترك تعليقاً