الخوري نسيم قسطون:
في إنجيل هذا الأحد (لوقا 4: 14-21)، يفتح يسوع سفر أشعيا ليعلن أن الكلام قد صار فعلاً، وأن النبوءة لم تعد تنتظر زمناً آخر لتتحقّق.
هذا ما يستفزّ ضمائرنا اليوم: هل نكتفي بترداد الكلمات أم نترجمها إلى مواقف ملموسة؟ فالروح الذي حلّ على المسيح هو ذاته الذي نلناه في العماد، لا كزخرفة روحيّة بل كطاقة عاملة يُفترض أن تظهر في تفاصيل يومنا، في الطريقة التي نعامل بها من حولنا، في القرارات الصغيرة قبل الكبيرة.
حين اختار يسوع البشارة للمساكين أولاً، لم يكن يقصد فئة اجتماعية محدّدة بقدر ما كان يرسم منهجاً: من نُعطي الأولويّة في وقتنا واهتمامنا وموازنتنا الشخصيّة؟ العمل هنا لا يكون بالخطابات بل بخطوة عمليّة واحدة: زيارة، مساعدة ملموسة، إصغاء حقيقي لمن لا صوت له. المسيحيّة التي تكتفي بالمواقف المعلنة دون أثر فعليّ تُفرغ الرسالة من جوهرها.
أما الأسر الذي تحدّث عنه النصّ، فأكثر ما يهدّدنا منه ليس القيود الخارجيّة بل تلك التي نصنعها بأيدينا: عادة نرفض تركها، خطيئة نستريح فيها، خوف من التغيير يشلّ قرارنا. والخطوة العمليّة الأولى نحو الحريّة هي الاعتراف بهذا الأسر قبل طلب فكاكه، لأن من يُنكر قيده لا يطلب من أحد أن يحرّره.
العمى بدوره أعمق من فقدان البصر الجسديّ؛ هو رفضٌ واعٍ لرؤية ما يزعجنا أو يستدعي منّا تغييراً. فحين نغلق أعيننا عن ألم قريب أو ظلم واضح لأن مواجهته مكلفة، نكون نمارس هذا العمى بعينه. والعلاج العمليّ هنا يبدأ بسؤال بسيط نطرحه على أنفسنا يوميّاً: ما الذي أتجنّب رؤيته لأنه يطلب مني تغييراً لا أريد أن أدفع ثمنه؟
أما القهر، فغالباً ما نسهم فيه دون أن نقصد: بكلمة قاسية، بتجاهل، بموقف يُشعر الآخر أنه أقلّ قيمة. تحرير المقهورين يبدأ من داخل علاقاتنا اليوميّة، من نبرة صوتنا، من احترامنا لكرامة من نتعامل معهم مهما كان موقعهم.
وأخيراً، فإن “السنة المقبولة لدى الربّ” ليست موعداً بعيداً بل هي هذا اليوم بالذات: الفرصة المتاحة الآن لنحوّل الوقت من استهلاكٍ لذاتنا إلى استثمارٍ لصالح غيرنا. فالسؤال الذي يبقى مفتوحاً أمامنا ليس نظرياً: كم من وقتنا الحقيقي، لا الفائض، نمنحه لمن يحتاج إلينا اليوم؟
