الخوري نسيم قسطون:
في بيت سمعان الفرّيسيّ (لوقا 7: 36-50)، تتقاطع صورتان متناقضتان:
- وليمةٌ ماديّةٌ فاخرة أعدّها صاحب البيت للتباهي أمام الوجهاء،
- ووليمةٌ روحيّةٌ صامتة حملتها امرأةٌ خاطئة في قلبها المنكسر.
الفرّيسيّ دعا يسوع إلى مائدته، لكنّه لم يفتح له باب قلبه؛ أنفق المال الكثير، لكنّه بخل بفعل محبّةٍ واحد. أمّا المرأة، فلم تُدعَ أصلاً، بل اخترقت جدران الصمت والعار، وكسرت قارورة طيبها كما كسرت قيود ماضيها، لتضع عند قدمَي المخلّص أغلى ما تملك: دموعها وشعرها وكرامتها المستعادة.
يقول القدّيس أغسطينوس في تعليقه على هذا المشهد: “بكت المرأة عند قدمَي الربّ، فغسلت بدموع التوبة ما دنّسته بأعمال الشهوة”.
هنا يكمن سرّ التحوّل: الدموع الّتي تنسكب على قدمَي المسيح ليست علامة ضعف، بل هي ماء المعموديّة الثانية الّتي تُعيد للنفس بهاءها الأوّل. لم تنتظر المرأة أن يتغيّر رأي الناس فيها، ولم تُبالِ بنظرات الاحتقار من المتّكئين؛ عرفت أنّ اللقاء مع يسوع أهمّ من كلّ ما يُقال عنها، فسبقت الشريعة بالنعمة، والحكم بالحبّ.
وفي المقابل، يقف سمعان مثالاً لخطرٍ يتهدّدنا جميعاً، ألا وهو خطر الاكتفاء بالمظهر الدينيّ من دون جوهر التوبة:
- كم مرّة نحضر القدّاس ونتلو الصلوات، فيما قلوبنا مغلقة أمام الربّ ومتعالية على إخوتنا؟
- كم مرّة نُصدر أحكاماً على الآخرين لأنّنا نظنّ أنفسنا أبراراً؟
يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: “لا شيء يُبعد الإنسان عن رحمة الله مثل الكبرياء، ولا شيء يُقرّبه منها مثل تواضع التائب”. فالفرّيسيّ الّذي ظنّ نفسه مضيفاً، كان في الحقيقة أفقر من ضيفته الخاطئة، لأنّه لم يحبّ كثيراً، فلم يُغفَر له كثيراً.
عمليّاً، ماذا نأخذ من هذا اللقاء إلى حياتنا اليوم؟
- أوّلاً، لنُراجع طريقة استقبالنا للمسيح في أسرار الكنيسة، خاصّةً في سرّ الإفخارستيّا. هل نقترب منه بقلبٍ نادمٍ مُحبّ، أم بروح روتينيّة باردة؟ لنتذكّر أنّ المذبح هو الوليمة الّتي أعدّها لنا يسوع بذاته، وأنّ سرّ التوبة هو قارورة الطيب الّتي نكسرها بين يديه.
- ثانياً، لنكفّ عن الحكم على الآخرين. حين نرى إنساناً ساقطاً، لنتذكّر أنّ نعمة الله قادرة أن تُقيمه كما أقامت هذه المرأة. مهمّتنا ليست إصدار الأحكام، بل حمل الرجاء إلى المتعبين.
- ثالثاً، لنتجرّأ على المجيء إلى يسوع مهما ثقلت خطايانا. لا تنتظر الشعور بالاستحقاق، فلن يأتي أبداً؛ تعالَ كما أنت، بضعفك وجراحك، وارمِ عند قدميه ما يُثقل كاهلك. اكشف خطاياك ولا تكتمها، فمن يُقرّ بها ويتركها يُرحم.
- رابعاً، لنجعل من الغفران أسلوب حياة: أن نطلبه من الله، وأن نمنحه لمن أساء إلينا. فالّذي أدرك عمق مسامحة الله له، لا يستطيع إلّا أن يُسامح الآخرين.
في النهاية، تبقى كلمة يسوع للمرأة رنيناً في أعماقنا: “إيمانكِ خلّصكِ، اذهبي بسلام”.
هذا السلام ليس غياب المشاكل، بل حضور المسيح في قلبٍ تصالح مع ذاته ومع الله. فلنسمح لهذا السلام أن يعبر إلينا اليوم، ولنقُم من عند قدميه خليقةً جديدة، لنشهد بحياتنا أنّ الرحمة أقوى من الخطيئة، وأنّ الحبّ يبقى الكلمة الأخيرة.
