الأحد الرابع بعد عيد الصليب

You are currently viewing الأحد الرابع بعد عيد الصليب

الخوري نسيم قسطون:

يضعنا إنجيل العبد الأمين الحكيم (متى 24: 45 – 51) أمام مرآة صريحة تكشف حقيقة تعاملنا اليومي مع المسؤوليات الموكولة إلينا.

فالحكمة ليست تنظيراً بعيداً عن الواقع، بل هي قرار عملي يتّخذه الإنسان في كل لحظة: أن يحفظ اتساقاً بين ما يُظهره أمام الناس وما يفعله حين لا يراه أحد. والعبد الشرير في النص لم يكن جاهلاً بواجبه، بل اختار أن يتوهّم غياب المحاسبة فأهمل أمانته وأساء إلى رفاقه.

عمليّاً، تبدأ الأمانة من أقرب دائرة إلينا: البيت والعائلة. فقبل أن نبحث عن شهادات كبرى في المجتمع أو الكنيسة، يُسأل كلٌّ منّا عن كيفيّة تعامله مع زوجته وأولاده وجيرانه في التفاصيل الصغيرة. من يُحسن إدارة بيته بحنان وعدل يكون قد أثبت أهليته لثقة أكبر، لأن النجاح الخارجي يفقد معناه إن كان الداخل مفكّكاً.

لكن الأمانة وحدها لا تكفي إن لم تقترن بحكمة تتعلّم من السقطات. فالإنسان الحكيم لا يُكرّر أخطاءه بل يحوّلها دروساً تُنضج مسيرته وتُعين مَن حوله على تجنّب المزالق نفسها. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم: “إنّ السيّد لا يطلب من العبد سوى أن يكون مستعدّاً في كل حين، فالاستعداد الدائم هو ثمرة الأمانة الحقيقيّة”. هذا الاستعداد ليس خوفاً مرضيّاً بل يقظة محبّة تدفعنا إلى ترتيب أولوياتنا قبل فوات الأوان.

في المقابل، يحذّرنا النص من وهم التأجيل الذي يقع فيه كثيرون حين يقولون في قلوبهم إن الوقت لا يزال طويلاً. فالحياة لا تُكفل بصحّة أو ثروة أو منصب، واليوم الذي لا ننتظره قد يأتي فجأة. وهنا تبرز الحكمة العمليّة في أن نعيش كل يوم وكأنه فرصة أخيرة لنُصلح ما أفسدناه ونُتمّم ما أهملناه.

لقد خلقنا الله أحراراً على صورته، لكنّنا كثيراً ما نستعبد أنفسنا طوعاً للمال أو الشهوة أو الكبرياء ظانّين أننا أحرار. والتحرّر الحقيقي يبدأ حين نعترف بأن رأس الحكمة مخافة الله، وأن أمانتنا تستمدّ قوتها من أمانة الله نفسه لوعوده. وكما علّم القدّيس أغوسطينوس: “مَن صار عبداً لله صار حرّاً حقّاً، ومَن ظنّ نفسه حرّاً وهو أسير أهوائه فهو في قيود لا يراها.”

فلنستثمر إذن حريتنا في أعمال ملموسة: كلمة طيبة في البيت، صدق في العمل، تعلّم من فشل الأمس، واستعداد دائم للقاء الرب.

اترك تعليقاً