الأحد الرابع عشر من زمن العنصرة

You are currently viewing الأحد الرابع عشر من زمن العنصرة

الخوري نسيم قسطون:

يدخل يسوع بيت عنيا ليس كغريب يطلب الضيافة، بل كصديق يبحث عن الألفة (لوقا 10: 38-42).

هناك، ينقسم المشهد بين أختين تبدوان مختلفتين:

  • مرتا تنشغل بالخدمة،
  • ومريم تجلس عند قدمي الرب وتستمع إليه.

لكن القراءة السطحية التي تدين مرتا وتمجّد مريم تخفي جوهر الرسالة. مشكلة مرتا لم تكن في خدمتها، بل في أن الانشغال الشديد جعل الضيف الإلهي يتحول إلى عادة، وجعل الخدمة عبئًا يولد التذمر.

في حياتنا العملية، نواجه هذا الانقسام كل يوم:

  • نذهب إلى الكنيسة بأجسادنا، لكن عقولنا منشغلة بمواعيد الغد.
  • نؤجل الصلاة لأن الوقت قليل.
  • نؤجل التوبة لأننا لا نشعر أننا مستعدون بعد.
  • نؤجل قراءة الإنجيل لأن هناك أمورًا نراها أكثر أهمية.

مع الوقت، تتراكم هذه التأجيلات وتتحول إلى لامبالاة، ثم تتحول اللامبالاة إلى جفاف روحي.

الخطوة العملية الأولى هي أن نعيد ترتيب جدولنا اليومي بصدق:

  • هل نعطي لقاء الرب عشر دقائق حقيقية قبل أن ننشغل في زحمة المهام؟
  • هل نبدأ يومنا بإصغاء قصير لكلمة من الإنجيل قبل أن نشغّل الهاتف؟

ليس المطلوب أن نبتعد عن العالم بل أن يسبق الإصغاء العمل لأنّ الخدمة التي لا تأتي من الصلاة تتحول إلى روتين يُتعب الإنسان ولا يعطي ثمراً.

يعتبر القدّيس أوغسطينوس أن مرتا لم تنل التوبيخ لأنّها خدمت، بل لأنّها انشغلت بأمور كثيرة بينما الواحد هو المطلوب ويشير إلى أنّ كثرة الهموم تشتّت القلب عن الجوهري. يضيف القدّيس غريغوريوس الكبير أنّ الحياة الفاعلة تنتهي مع هذا العالم بينما تبدأ الحياة التأملية هنا وتكتمل في الأبديّة مذكّرًا بأنّ ما نبنيه في الصمت هو ما يبقى.

عمليًا، يعني هذا أن نخلق مساحات مقدّسة صغيرة في يومنا:

  • لحظة صمت قبل الوجبة.
  • قراءة قصيرة قبل النوم.
  • وقفة تأمل في الطريق إلى العمل.

هذه اللحظات ليست ترفًا بل هي النبع الّذي يغذّي خدمتنا وعلاقاتنا وبدونها نصبح مثل مرتا أي نخدم بلا فرح ونعطي بلا عمق ونشكو من أن لا أحد يساعدنا لأنّنا ابتعدنا عن مصدر فرحنا.

في النهاية، كلّ واحد منّا يحمل مرتا ومريم في داخله. التحدّي ليس في أن نختار واحدة ونترك الأخرى بل في أن نتعلّم التمييز: متى نجلس ومتى نقوم، متى نصغي ومتى نخدم.

النصيب الأفضل ليس هروبًا من العمل بل هو نتيجة لإصغاء عميق لصوت الرب!

اترك تعليقاً