الخوري نسيم قسطون:
حين نسمع أنّ الحصاد كثير (لوقا 10: 1-7)، يسهل علينا أن نظنّ أنّ المطلوب هو من أشخاص محدّدين فقط، فنرتاح إلى دور المشاهد.
لكن الحقيقة أبسط وأقرب: الحقل يبدأ من يومنا العادي، من البيت قبل الكنيسة، ومن طريقة تعاملنا مع أهلنا وزملائنا قبل أي كلام كبير. لذلك فالسؤال العملي ليس: من سيعمل؟ بل: ما الذي أستطيع أن أفعله اليوم حيث أنا؟
البداية تكون من تحمّل المسؤولية بدل تأجيلها. في العائلة، لا يكفي أن نهتمّ بتأمين الراحة والدراسة والمستقبل، بل لا بدّ من بناء الضمير أيضًا. يمكن للأهل أن يخصّصوا وقتًا قصيرًا للصلاة مع الأولاد، وأن يربّوهم على الصدق والرحمة واحترام الآخر، لا بالكلام فقط بل بالمثال. فالولد يتأثّر بما يراه أكثر ممّا يسمعه: كيف نضبط غضبنا، كيف نعتذر، كيف نتعامل مع المال، وكيف نساند الضعيف.
وفي العمل أو الدراسة، الرسالة لا تحتاج إلى وعظ مباشر بقدر ما تحتاج إلى أمانة وهدوء واحترام. أن تنجز عملك بضمير، أن ترفض الغشّ، أن تساعد من يتعثّر، أن تمتنع عن الإهانة والنميمة، هذه كلّها أفعال تترك أثرًا حقيقيًا. كثيرون لا يقتنعون بالكلمات، لكنّهم يلاحظون سريعًا الإنسان الصادق والمتوازن والمحبّ.
ومن أهمّ الخطوات العملية التخفيف من منطق المنفعة. حين تصبح كل مبادرة مرتبطة بسؤال: ماذا سأربح؟ من سيقدّرني؟ هل سيشكرني أحد؟ تتعطّل الخدمة من الداخل. العطاء الناضج يبدأ حين نقوم بالخير لأنّه خير، لا لأنّه يمنحنا صورة جميلة أمام الناس. لذلك من المفيد أن يعتاد الإنسان على أعمال صغيرة لا ينتظر عليها مقابلًا: زيارة مريض، الاتصال بشخص وحيد، مساعدة محتاج بسرّية، أو المشاركة الثابتة في خدمة جماعية دون سعي إلى الظهور.
كذلك، يحتاج العمل المثمر إلى حسن استخدام الوقت. جزء كبير من أيامنا يضيع في أمور تستنزف القلب ولا تبني أحدًا. من الحكمة أن يسأل كل واحد نفسه في بداية الأسبوع: ما العمل الخيّر المحدّد الذي سألتزم به؟ وما العادة التي سأخفّفها لأفسح مجالًا لهذا الالتزام؟ فالنية العامة لا تكفي إن لم تتحوّل إلى خطوة واضحة.
ولا يمكن أن نعطي سلامًا إن كنّا نعيش خصامًا دائمًا. لذلك تأتي المصالحة كواجب عملي لا كتفصيل ثانوي: مبادرة إلى اعتذار، إيقاف كلام جارح، إصلاح سوء تفاهم، أو على الأقل كسر دائرة العناد. السلام الذي يدخل البيت يفتح الباب لأي خير آخر.
أخيرًا، يحتاج الإنسان إلى مصدر يغذّيه كي لا تتحوّل خدمته إلى تعب فارغ. دقائق ثابتة من الصلاة، وقراءة قصيرة من كلمة الله، ومراجعة صادقة للنفس في نهاية اليوم، كلّها تساعد على تصحيح النيّة وتجديد القوة. لا أحد مطلوب منه أن يقوم بأمور استثنائية، لكنّ كل واحد مدعوّ إلى أمانة يومية بسيطة. ومن يزرع هذا القليل بمحبة، يكتشف مع الوقت أنّ الحقل الذي بدا واسعًا ومخيفًا بدأ يثمر من حوله.
