الأحد العاشر من زمن العنصرة

You are currently viewing الأحد العاشر من زمن العنصرة

الخوري نسيم قسطون:

هناك لحظات كثيرة في حياتنا اليوميّة نقف فيها أمام عمل الله فلا نفهمه، فنستبدل الثقة بالشكّ والانتظار بالاتّهام. نفعل ما فعله الفرّيسيّون تمامًا متى 12: 22-32): نرى الخير يُصنع أمامنا فلا نصدّق أنّ مصدره صالح، لأنّ عيوننا اعتادت أن تقيس الله بمقاييسنا الضيّقة بدل أن تفتح له مساحة الثقة. المشكلة ليست في نقص المعجزات من حولنا، بل في نقص الاستعداد الداخليّ لرؤيتها كما هي، لا كما تناسب راحتنا أو تبرّر خوفنا.

من الناحية العمليّة، هذا يعني أن نتوقّف عن تحميل الله مسؤوليّة كلّ ما يصعب علينا فهمه من ألمٍ أو خيبة، وأن نبدأ بمراجعة الصورة التي رسمناها له منذ الصغر: هل هو بالنسبة إلينا رقيبٌ يحصي الأخطاء، أم أبٌ يرافق الطريق؟ فالإنسان الذي يحمل صورة مشوَّهة عن الله سرعان ما يتصرّف بموجبها، فيخاف بدل أن يثق، وينسحب بدل أن يلتزم.

الالتزام هنا ليس شعارًا بل خيارًا يوميًّا متكرّرًا: إمّا أن نجمع أو نبدّد. ولا يظهر التبديد غالبًا في أفعالٍ صاخبة، بل في تفاصيل صغيرة: في الصمت حين يجب الكلام، في الانتقاد من الخلف حين تنقص الشجاعة للمواجهة المباشرة، في وضع مسافة بيننا وبين جماعتنا أو كنيستنا وكأنّنا مراقبون من الخارج لا أعضاء فيها. كلّ هذه المواقف الصغيرة تتراكم فتُحدث شرخًا حقيقيًّا، حتى من دون قصدٍ معلن.

أمّا الجانب الأعمق فيتعلّق بحرّيتنا نفسها. فالله لا يفرض حضوره، بل يمنحنا مساحة كافية لنقبله أو نرفضه، وهذه الحرّية بالذات هي ما يجعلنا مسؤولين عن اختيارنا. حين نُقفل الباب أمام كلّ ما يدفعنا نحو التغيير، أمام كلّ دعوة للمصالحة أو الرجاء أو المحبّة، فإنّنا نحكم على أنفسنا بالبقاء خارج ما يريده الله لنا، ليس لأنّه يعاقب، بل لأنّنا نحن من اخترنا الإغلاق.

على المستوى العمليّ، يبدأ التغيير من أسئلة بسيطة نطرحها على أنفسنا بصدق: هل أتصرّف كمن ينتظر من الله حلولًا جاهزة دون أن يتحرّك هو نفسه؟ هل أكتفي بتبرير آلام من حولي بدل السعي لتخفيفها؟ هل أسمح لما أؤمن به أن يتحوّل إلى قرارات ملموسة في علاقاتي وعملي وكلامي، أم يبقى مجرّد أفكار جميلة أتداولها دون أن تُغيّر شيئًا؟

في النهاية، ما يُطلب منّا ليس معرفة لاهوتيّة إضافية، بل جرأة على العيش بما نؤمن به، ولو كلّف ذلك مواجهة صورتنا المريحة عن أنفسنا. فالإيمان الحقيقيّ لا يقاس بحجم الكلام عنه، بل بمدى قدرته على تحويل يومٍ عاديّ إلى فعل محبّة، وموقفٍ صعب إلى مناسبة للغفران، ولحظة شكٍّ إلى خطوة ثقة جديدة.

اترك تعليقاً