العفو عند المقدرة، إلا العمالة… فلا عفو فيها!

You are currently viewing العفو عند المقدرة، إلا العمالة… فلا عفو فيها!

ليستِ الخيانةُ بقعةً من الدهون على قماشٍ تُنظّف ببساطة بمسحوق غسيل، وليست غلطةً غير مقصودة تعاقبُ بمجرّد حُكم، وليست حدثًا عابرًا يمحوه عفو ومصالحة.

حتّى فرنسا عرّابة الثورات، والتي أسقطت الملكية دفاعًا عن الحرية والمساواة والإخاء، والتي تُقدَّم كرمزٍ للديمقراطية لا تتهاون مع من اعتُبروا خونةً للدولة خصوصًا خلال الحرب العالمية الثانية، حتى إلى يومنا هذا.

منذ أيّام طلبت المدعية العامة
Delphine Moncuit
وبعد ساعات من المرافعات فرض غرامة ماليّة قدرها خمسة آلاف يورو على السيد Jacques Boncompain؛ نظرًا لسنّه المتقدم وبسبب تقرير خبرة نفسية أظهر وجود تدهور في قدرته على الإدراك والتمييز. ومن المقرّر أن يصدر حكم المحكمة في 20 أيّار القادم.

وكان السيد بونكوبان أقام في الخامس عشر من تشرين الثاني المنصرم بصفته رئيس جمعية الدفاع عن ذكرى المارشال Philippe Pétain (ADMP) بتنظيم قدّاس تكريمي لزعيم نظام Vichy Regime.

حاول آنذاك رئيس بلدية Verdun إلغاء هذا القدّاس عبر القضاء الإداري بلا جدوى، لكن في نهاية الأمر أُقيم القدّاس، ولم يحضره سوى تسعة أشخاص فقط من أعضاء الجمعية، وبحسب الكاهن فقد اقتصر على صلوات عامة.

لم يَمثل جاك بونكومبان أمام المحكمة بسبب إقامته القداس، بل بسبب التصريحات التي أدلى بها بعد انتهاء الحدث أمام المتظاهرين والصحافيين، حين وصف قائد نظام فيشي الماريشال “فيليب بيتان” بأنه «أعظم خادم لفرنسا في القرن العشرين».
شكّلت تصريحات بونكومبان إنكارًا قضائيًا للتاريخ، وطعنت في حقيقة مُثبتة قانونيًا أدانت بيتان أمام المحكمة العليا للعدالة في فرنسا (Haute Cour de justice) عام 1945 بتهمة الخيانة العظمى والتعاون مع العدو النازي عبر قيادته لنظام فيشي بين عامي 1940 و1944، وصدر بحقه حكم بالإعدام خُفِّف لاحقًا إلى السجن المؤبّد لأسباب تتعلق بسنّه وبظروف ما بعد الحرب وجُرّد من جميع أوسمته وألقابه العسكرية، ومات لاحقًا في سجن في جزيرة Île d’Yeuعام 1951.
اعتبرت تصريحات بونكومبان ذات طابع تحريفي تتمثل بإنكار وتقليل وتبرير مفرط لجرائم الإبادة وجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.
وقد زعم مثل شاهدين آخرين استدعتهم هيئة الدفاع إنهم استندوا إلى كتب لأربعة مؤرخين تؤكد أن بيتان بطل، وقد حمى حوالي 400 إلى 700 ألف يهودي في فرنسا.

عند دخول قوات الجنرال ديغول والحلفاء إلى فرنسا، تمّ التعامل مع “المتعاونين” دون رحمة عبر “التطهير الفوري”، وفي الأسابيع الأولى للتحرير حصلت أعمال انتقام شعبية تمثّلت بالإعدامات الميدانية دون محاكمات وحلق شعر النساء اللواتي اتُّهمن بالتعاون مع النازيين، وتعرضن للإذلال العلني في الشوارع وهوجم العملاء في بيوتهم، وسحقوا في الطرقات.

ثم انتقلت الدولة إلى مرحلة “التطهير القانوني” (Épuration légale) عبر المحاكمات وإنشاء محاكم خاصة لمحاكمة المتعاونين الذين أُدينوا بالتعاون مع العدو.
وتراوحت الأحكام بين الإعدام والمؤبد والأشغال الشاقة والترحيل من البلاد والتجريد والحرمان من الحقوق المدنية، وقد طالت الأحكام عشرات الاف المتعاونين.

وقد عمل الجنرال شارل ديغول أب الجمهورية الفرنسية الخامسة إلى ضبط الوضع منعًا لتحوّل التحرير إلى حرب أهلية، وشجّع الانتقال من مرحلة الانتقام الشعبي إلى العدالة القضائية.

أظهرت الشواهد التاريخية بلا مواربة أنّ الاحتلال في كلّ زمان ومكان لا ينظر إلى “المتعاوِن” أو “العميل “كحليف وصديق ويبادَل الولاء، بل “كأداة مؤقتة” يُستفاد منها كما يقتضيه الظرف، ولا يترك التاريخ مجالًا للشك بأنّ العميلً مُحتقرٌ حتّى من مُشغّله، ويُتخلى عنه عند أول فرصة.
الخيانة فعلُ شرّ لا يسقط من الذاكرة الجماعية، مهما جُمّلت ولُمّعت صورة العميل، سيشار إليه بأنّه عميل وفعله لا يسقط بمرور الزمن.
لن يمّر ملف التعاون بدون مساءلة ومحاكمة قانونيّة، لن تعترف ذاكرتُنا الجماعية ببدعة “طي الصفحة”، لن نوقّع على تحويل التآمر والتعامل مع العدو أخطاء بسيطة قابلة للإصلاح والتجميل!
على جُثَثِنا!

شادي منصور ( من موقع عكس السير)

اترك تعليقاً