ثمّة قرى لا تُختصر بموقعٍ جغرافي، بل تتحوّل إلى حالةٍ من السكينة، وإلى ذاكرةٍ تحفظها الجبال كما تحفظ الأم أبناءها. وبزبدين واحدةٌ من تلك القرى التي لا يمرّ الزائر بها مرورًا عابرًا، بل يحملها معه أينما رحل. فكل طريقٍ يقود إليها يبدو وكأنه دعوةٌ لاكتشاف وجهٍ جديد من وجوه لبنان الجميل، وكل زيارةٍ تمنح القلب سببًا آخر للعودة.
تتربّع بزبدين على ارتفاع يقارب 1050 مترًا عن سطح البحر، في قلب المتن الأعلى، حيث تنتمي إلى اتحاد بلديات المتن الأعلى الذي تتخذ بلدة حمانا مركزًا له. ويمكن الوصول إليها من بيروت عبر أكثر من طريق؛ فمن طريق دمشق الدولية مرورًا بالحازمية والعبادية وصوفر وحمانا وقرنايل، أو عبر أوتوستراد المتن فبعبدات وسفيلة وحاصبيا المتن، أو من المنصورية ورأس المتن وقرنايل. وبين هذه الطرق جميعها، يبقى المشهد واحدًا في جماله؛ جبالٌ تتعانق مع السماء، ووديانٌ خضراء تزداد بهاءً كلما اقتربت من البلدة.
ولعلّ ما يميّز بزبدين أكثر من غيرها، تلك الإطلالة التي تمنحها قمة غابة الصنوبر، حيث تمتد البيوت على سفحٍ ينحدر بين حدود المتين وجوار الحوز وحاصبيا وقرنايل، في لوحةٍ طبيعية تتبدّل ألوانها مع الفصول، لكنها لا تفقد سحرها في أيّ وقت من السنة. ويزيد من فرادة المكان مناخه الجاف المعتدل؛ فالصيف فيه عليلٌ ومنعش، بينما تؤدي التلال المحيطة دور الحارس الطبيعي، فتحمي البلدة من قساوة الصقيع، وتحفظ لها دفئًا ينعكس في طبيعتها كما في طباع أهلها.
أما اسم بزبدين، فقد شغل الباحثين والمؤرخين، فتعدّدت الآراء حول أصله. فيرى اللغوي أنيس فريحة أنه يعود إلى الإله السامي المشترك “زبد”، الذي يرمز إلى العطاء والكرم، ليصبح معنى الاسم “مكان أتباع الإله زبد”. ويورد تفسيرًا آخر يجعله من الأصل السامي “بت زبدين”، أي “مكان الزبدة”، أو “بت زوبدين” بمعنى “مكان جهاز العروس”. أما الباحث طوني مفرّج، فيرجّح أن الاسم آرامي الأصل، مركّب من “بيت زبدين”، أي “بيت الكرماء”. فيما ذهب بعض الباحثين إلى محاولة ردّه إلى العربية، معتبرين أنه تحريف لعبارة “بيت زين الدين” أو “بيت زينة الدين”. وبين هذه الاجتهادات جميعها، يبقى معنى الكرم حاضرًا في الاسم كما في أهل البلدة، وكأن التاريخ أراد أن يترك بصمته في الحروف قبل البشر.
ويبلغ عدد أبناء بزبدين المسجلين نحو ستة آلاف نسمة من المسيحيين والدروز، في صورةٍ تختصر تاريخًا طويلًا من العيش الواحد. وتنتشر في البلدة معالمها الدينية والاجتماعية، من كنيسة السيّدة، وكنيسة مار الياس، وكنيسة مار مارون، إلى دير راهبات القلبين الأقدسين، ومجلسَي آل معضاد وآل سريّ الدين، وهي شواهد ما زالت تحفظ نبض الحياة والهوية.
غير أن صفحات التاريخ لم تخلُ من الألم. فقد شهدت بزبدين، كما سائر قرى الجبل، نزوحًا قاسيًا خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، وكان النصيب الأكبر من هذا النزوح من أبناء الطائفة المسيحية الذين شكّلوا في مرحلةٍ من المراحل غالبية سكان البلدة. ومع بداية عودة بعض العائلات منذ عام 1995، استعادت بزبدين شيئًا من حركتها، إلا أن آثار الغياب لا تزال ماثلة في منازل أغلقت أبوابها، وأخرى ما زالت تنتظر أن تعود إليها الحياة. أما الكنائس، فما زالت تقرع أجراسها وتستقبل أبناءها، شاهدةً على أن الإيمان بقي أقوى من الحرب، وأن العودة ليست مجرد استرجاع بيتٍ أو أرض، بل استعادة ذاكرة وهوية وانتماء.
وخلال تجوالي في أحياء البلدة، لم تكن الأبنية الحجرية وحدها ما شدّ انتباهي، بل ذلك الصمت الذي يلفّ بعض الأزقة، وكأنه يروي قصص الذين غادروا على أمل العودة. ورغم كل ما مرّ على بزبدين، فإنها ما زالت تحتفظ بوجهها الوادع، وتفتح ذراعيها لكل من يقصدها، كأنها تقول إن الأرض لا تنسى أبناءها، مهما طال الغياب.
ويبقى قضاء بعبدا، بما يختزنه من قرىٍ تنبض بالجمال والتراث، من أكثر مناطق لبنان سحرًا. وكلما عدت إليه، ازددت اقتناعًا بأن جماله لا يُستهلك، وأن عدسة الكاميرا، مهما التقطت من صور، تعجز عن حفظ ذلك الإحساس الذي يرافقك بين طرقاته. فثمة أماكن لا تُقاس بمساحتها، بل بما تتركه في القلب، وكانت بزبدين، بالنسبة إليّ، واحدةً من أجمل تلك الحكايات التي يكتبها الجبل اللبناني.
