بنت جبيل: طبقاتُ الاسم بين الأسطورة والتاريخ

You are currently viewing بنت جبيل: طبقاتُ الاسم بين الأسطورة والتاريخ

في عمق الجنوب، تقف بنت جبيل كمدينةٍ لا تُقرأ من سطحها، بل من طبقاتها؛ من سراديبها المدفونة، ومن أسماءٍ تتناسل بين الأسطورة والذاكرة. هناك، في أسفل البلدة العتيقة، انكشفت مغاور ونواويس وقبور، تعود إلى العهدين الفينيقي والروماني، كأنّ الأرض، بعد صمتٍ طويل، قرّرت أن تتكلّم.

تروي إحدى الحكايات أنّ هذه المعالم تعود إلى أحفاد الأميرة «شمس» الفينيقية، تلك التي يُنسب إليها اسم البلدة. أميرةٌ تعبر من الأسطورة إلى الجغرافيا، وتتزوّج من النبي يثرون الكنعاني، فتتشابك الأسماء: من «عيترون» التي تحمل أثره، إلى ساحة «النبية» في قلب البلدة، حيث يبقى الاسم شاهدًا على امتداد الحكاية.

وفي روايةٍ أخرى، يتوسّع المشهد نحو الجذور الأبعد، حيث يُقال إنّ والد الأميرة هو «الجبيل»، الذي تنسب إليه منطقة صربين، المعروفة بـ«الجبيل الأثرية». هناك، يقوم ظلّ معبد «رشاف»، إله الحرب في اللغة الآرامية، الذي تردّد صداه أيضًا في بلدة رشاف المجاورة. كأنّ العبادة، كما الأسماء، كانت تنتقل من جبيل، حاملةً معها ملامح حضارةٍ أموريةٍ ضاربة في القِدم.

لكنّ الحكاية لا تقف عند هذا الحدّ. فثمّة رأيٌ يرى في البلدة اسمًا أقدم: «بيت شمس» أو «كفر شمس»، حيث (كفر) تعني بيتًا، وحيث يُرجَّح أن أميرةً من جبيل نزحت تحت ضغطٍ ما، فحطّت رحالها هنا، وأقامت ملكًا صغيرًا، ترك آثاره في الأرض: في «شلعبون»، حيث الأعمدة المنحوتة، والحجارة الصامتة التي ما تزال تحفظ آثار الأيدي القديمة، وفي المدافن التي تشبه ما عُرف في فينيقيا من طقوس الدفن وبناء الهياكل.

ثمّة أيضًا قراءةٌ لغوية ثالثة، تفكّك الاسم وتعيد تركيبه: «بنت» بوصفها أنثى الابن، و«جبيل» تصغير جبل، أو لعلّها تحويرٌ سرياني لـ«بيت جبيل»، خصوصًا وأنّ القرى المحيطة تحتفظ بالبنية نفسها: «بيت ياحون» شمالًا، و«بيت ليف» غربًا، وكأنّ الاسم جزءٌ من نسيجٍ لغويٍّ أوسع، تتكرّر فيه كلمة «بيت» كجذرٍ للسكن والانتماء.

بين هذه الآراء، لا تبحث بنت جبيل عن حقيقةٍ واحدة، بل تحتضن تعدّدها؛ فهي مدينةٌ تتقاطع فيها الأسطورة بالتاريخ، واللغة بالحجر، والاسم بالمصير. وما هذه السراديب المكتشفة إلا تذكيرٌ بأنّ ما نراه ليس سوى وجهٍ من وجوهها، أمّا البقيّة، فلا تزال تنام في الأعماق، بانتظار من يُصغي.

اترك تعليقاً