بين الحق والقوة

You are currently viewing بين الحق والقوة
ميخائيل نعيمة-
القوّة هي أن تغالب نفسك فتغلبها . ومغالبة النفس إنّما تعني تنقية الفكر والقلب من كل شهوة ونيّة تضعفك وتؤذيك فتضعف بالتالي سواك وتؤذيه . لأن حياتك مرتبطة أوثق الارتباط بحياة غيرك . فالغش ضعف وأذىً لك وللناس ومثله الطمع والحقد والبغض والفسق والكذب والنميمة وجميع أخواتها من الشهوات والنيات السود . وعلى عكسها الصدق والقناعة والعفّة والصّفح والمحبّة ، فهذه كلّها قوّة وخير وبركة لك ولإخوانك الناس ….
وهي القوّة أن تعرف أن حياتك لم تبتدىء ساعة ولدت ، ولن تنتهي ساعة تموت . بل هي أزليةّ أبديّة مثلما الحياة التي منها انبثقت أزليّة أبديّة . وإذ ذاك فالموت عندك عارض من أعراض الحياة . ومثله الولادة . فلا تغتم لذلك . ولا تبتهج بهذه . بل تكون أقوى من أن يهزّك الاثنان .
وهي القوّة أن تعرف أنّك تعيش في عالم محكم الأسباب والنتائج . فما من كلمة أو حركة ، وما من نيّة أو شهوة ، وما من فكرة أو نظرة إلا ونتائجها مرتبطة بها ارتباط النور والحرارة بالنار . وما يأتيك من خير أو شرّ ليس سوى نتيجة لازمة لما تقوله وتفعله ، وما تنويه وتشتهيه ، وما تفكّره وتتخيّله عن وعي منك وعن غير وعي . ومهما حاولت أن تتهرّب من تلك النتيجة فهي لاحقة بك لا محالة مهما تباعد بها الزمان . وإليك هذا المثل :
يحكى أن بعض مقدمي البدو حضر على سماط بعض الأمراء . وكان على السماط حجلتان مشويتان فنظر إليهما البدوي وضحك . فسأله الأمير عن ذلك فقال : قطعت الطريق في عنفوان شبابي على تاجر . فلما أردت قتله تضرّع ، فما أفاده تضرّعه ، فلما رأى أني قاتله لا محالة التفت إلى حجلتين كانتا في الجبل وقال : اشهدا عليه انّه قاتلي . فلمّا رأيتُ هاتين الحجلتين تذكرت حمقه . )) فقال الأمير : (( لقد شهدتا )) ثمّ أمر بضرب عنقه .
وإذ ذاك فالقوّة هي في تفهُّمك قانون السبب والنتيجة والسير معه لا ضدّه . لذلك وهبتك الحياة الفكر والخيال والوجدان والإرادة ، حتى إذا أحسنت استعمال هذا السلاح الهائل فهمت القانون فأصبحت سيّده بدلاً من أن تكون عبده . وأصبحت أبداً في جانب الحقّ الذي لا يُقهر ، فما قلت كلّما غُلبت على أمر من أمورك : لقد غلبتني القوّة . بل قلت : لقد غلبني جهلي لقوّة حقي .
هي القوّة أن تؤمن بأنّ للحياة هدفاً من وجودك . فهي تُسرّ بأن تتمثّل فيك كاملة صافية ، مبدعة ، وبغير حدّ . وإذ ذاك فالذي يدعوه الجهلاء قدراً غاشماً ليس في الواقع غير النظام الذي سنّته لك الحياة لتنهض بك من غيبوبة اللاوعي إلى يقظة الوعي . ومن الجهل إلى المعرفة . ومن الاتكالية إلى الحرية . ومن البدايات والنهايات إلى اللابداية واللانهاية .
وهي القوّة ، وقد آمنت ذلك الإيمان ، أن ترى نفسك في كلّ إنسان وكلّ شيء . لأنّك تحيا وإيّاهم بنظام واحد ولغاية واحدة . فهم رفاقك وأعوانك في الطريق إلى الهدف وأنت رفيقهم . وإذ ذاك فأنت تخون نفسك كلّما أحببتها وأبغضتهم . ولن تصدق مع نفسك حتى تحبّ الكون محبّتك لنفسك .
وأنت متى بلغت قدس أقداس المحبّة وجدت نفسك أفسح من المكان ، وأبقى من الزمان ، وأقوى من الموت . وعندئذ تعرف أن المحبّة وحدها هي القوّة التي لها الحقّ ، والحقّ الذي له القوّة . وأن كلّ قوّة غير قوّتها ضعف . وكلّ حقّ غير حقّها باطل .

اترك تعليقاً