الخوري نسيم قسطون:
في حياة كلّ إنسان لحظات يتمنّى أن تتوقّف عندها الساعة: صلاة هادئة، خبر مفرح، شفاء، مصالحة، أو سلام داخليّ نادر.
لكن خبرة التجلّي (مرقس 9: 1-7) تذكّرنا بأنّ الإيمان لا يُعاش في القمم فقط، بل يُختبر أكثر حين ننزل إلى تفاصيل الأيام العاديّة. فالمشكلة ليست في الفرح، بل في التعلّق به كأنّه الغاية، بينما هو في الحقيقة قوّة تُعطى لنا كي نكمل الطريق.
لهذا يأتي صوت الآب واضحًا: «هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا».
الإصغاء هنا ليس مجرّد سماع عابر، بل اختيار عمليّ. أي أن نعود فعلًا إلى كلام المسيح حين نحتار، وأن نزن قراراتنا على ضوء الإنجيل، لا على ضوء مزاجنا أو ضغط الناس أو منطق المصلحة السريعة. من يريد أن يعيش هذا النصّ بصدق، عليه أن يسأل نفسه ببساطة: متى أقرأ كلمة الله؟ هل أتركها تصحّحني؟ هل أطبّق منها شيئًا في بيتي وعملي وعلاقاتي؟
التجلّي لم يُعطَ للتلاميذ كي يهربوا من الواقع، بل كي لا ينهاروا أمام الصليب. ونحن أيضًا نحتاج إلى هذا المعنى العمليّ جدًّا: لحظات النور التي يمنحنا الله إيّاها ليست للزينة الروحيّة، بل لتثبيت القلب في وقت التعب. لذلك، عندما تمرّ بضيق، لا تقل إنّ الله غاب لأنّ المشهد تغيّر؛ بل تذكّر أنّه يرافقك أيضًا في المرحلة التي لا تحمل تعزية واضحة. الإيمان الناضج لا يقوم على المشاعر وحدها، بل على الأمانة في الجفاف كما في الفرح.
عمليًّا، يمكن أن نعيش هذا الإنجيل بثلاث خطوات بسيطة وثابتة:
- أوّلًا، تخصيص وقت يوميّ قصير للصمت والصلاة، ولو عشر دقائق، بعيدًا عن الهاتف والضجيج، لأنّ القلب المشغول لا يسمع.
- ثانيًا، قراءة فقرة صغيرة من الإنجيل كلّ يوم مع سؤال واحد: ماذا يطلب منّي الربّ اليوم؟
- وثالثًا، ترجمة ما نسمعه إلى فعل ملموس: كلمة تشجيع، غفران، خدمة، أمانة في الواجب، أو مساعدة لشخص متألّم. هكذا يصبح النور الذي نختبره قوّة تُرى في السلوك.
ملكوت الله لا يظهر فقط في الأحداث الكبيرة، بل في كلّ مكان ينتصر فيه الحقّ على الخوف، والرجاء على اليأس، والمحبّة على الأنانيّة. قد نبحث عن الله في الاستثنائيّ، فيما هو ينتظرنا في القريب والمهمل واليوميّ: في صلاة صادقة، في إفخارستيا معاشة بوعي، في إنسان موجوع يحتاج من يصغي إليه، وفي تعب نقدّمه دون تذمّر.
الغاية إذًا ليست أن نبني مظالّ ونبقى على الجبل، بل أن ننزل بقلب تغيّر ونظرة أنقى. من يسمع المسيح حقًّا لا يهرب من مسؤوليّاته، بل يعود إليها بنور أكبر. وهكذا يصير التجلّي ليس ذكرى جميلة فحسب، بل طريقة عيش: أن نرى لمحة من مجد الله، ثم نحمل هذا الرجاء معنا إلى حيث الحياة تحتاجه أكثر.
