عيد مولد العذراء مريم

You are currently viewing عيد مولد العذراء مريم
انتظار نفسي للرّب أشدّ من انتظار الرقباء للصبح والساهرين للفجر (مز ١٣٠)
نحتفل بمولد العذراء مريم، أمة الله المولودة طفلة وفي مخطّط الله لها أن تصبح أمّاً للكلمة المتجسّد، الخليقة المجدّدة المولودة اليوم طفلةً، حوّاء الجديدة الخارجة من إرادة الرّب الخلاصيّة بدل حواء الاولى التي جرحتها خطيئة آدم. جنة عدن الحقّة التي نبتت في وسطها شجرة الحياة، المسيح المخلص.
لقد كان مخطط الرّب في خلقه الانسان اشراك ذاك المخلوق في الوهة الخالق، وبواسطة مريم دخل الخالق والمخلوق في علاقة تأليه لجنسنا البشري، “ليصبح للانسان بالنعمة ما هو لله في الطبيعة” كما يقول افرام السرياني. وان كانت مريم قد صارت عدناً طاهرةً اخرى، بها أخذت عدن الاولى معناها الحق، فهي صارت أيضاً حواءً جديدةً، أتمّت بطاعتها ما فشلت حواء عن القيام به بسبب عصيانها.
بإكرامنا لمريم نقتدي بحياة بطولة أيمان عاشتها ابنة الناصرة فاستحقّت الدخول في مجد الرّب:
مريم هي الصورة الأبهى لعلاقة كلّ واحد منّا مع الربّ يسوع، فهي سمعت دعوة الله لها لتدخل في مخطّطه الخلاصيّ، فآمنت وأطاعت. هي لم تفهم كل شيء دفعة واحدة، ولكن رغم عدم فهمها الكامل كان لمريم إالثقة بالله والإيمان بقدرته على التدخل في حياتها وتركت له مجال العمل في حياتها. بإكرامنا لمريم، نحاول أن نتعلّم منها قوّة الثقة بالله الّذي يحبّها وبحبّنا: كم من المرّات نتردّد إزاء دعوة الله لنا، لأنّنا لا نثق به كفاية لنضع مصيرنا بين يديه، أمّا مريم فكانت على ثقة بأن الله يحبّها، ويحضّر الأفضل لها وللبشريّة بأسرها، لذلك لم تخف من أن تسلمه حياتها كلّها.
مريم هي أيضاً تلميذة إبنها يسوع، ففي مسيرة نموّها الرّوحيّ، فتحت مريم باب قلبها على سرّ ابنها الموجود في داخلها، وتعرّفت عليه أكثر فأكثر، لم تخش المجازفة والإنطلاق. لقد احتاجت الى حياة جهاد بطوليّ لتتعرّف على أسرار ابنها الإله والإنسان. ولم تقتصر معرفتها على البعد الروحيّ والعقليّ والمعرفيّ، بل اجتازته ايضاً الى البعد العمليّ، فسمعت كلام ابنها وتأمّلت به في قلبها وطبّقته في حياتها، فصارت التلميذة الصامته التي تنشر حبّ المسيح وخلاصه في الكون بأسره.
هذه الطفلة المولودة اليوم هي من أعدّها الرّب لتكون التلميذة المطيعة لتصير معلّمة للتلاميذ في كيفيّة الإقتداء بابنها وربّها، فهي التي قالت: “افعلوا ما يأمركم به”، دعوة لنا كلّنا اليوم للإقتداء بالرّب والعمل بما يأمرنا به، فهو وحده يقدر أن يحوّل ماء نقصنا الى خمرة فرح، خمرة الخلاص الأبدي.
وهي الطفلة المولودة لتصبح امّاً لله، وهيكلاً للكلمة المتجسّد، وخباءً لربّ الجنود، ولادتها اليوم هي بداية رجاء إنسانيّتنا، نحن المنتظرين الخلاص، نتيه في عتمات وجودنا، صارخين مع صاحب المزامير: “إنتظار نفسي للرب أشد من إنتظار الرقباء للصبح والساهرين للفجر” (مز 130). بهذا نفهم أهمّية حدث مولد العذراء. لولا المسيح، لكانت ولادة مريم كولادة المئات من بنات مدينتها، وكآلاف الولادات من بني شعبها، ابنة تضاف الى عداد شعب الله واسم آخر يسجّل في سجلاّت جماعات اسرائيل. أهميّة ولادة العذراء يرتبط بأهميّة ولادة ابنها في المستقبل، لذلك قلنا: ” إنتظار نفسي للرب أشد من إنتظار الرقباء للصبح والساهرين للفجر”، فولادة العذراء هي الفجر، والفجر ليس هو الشمس، بل هو النور الّذي يكبر رويداً رويداً معلنا قرب وصول الشمس. مريم هي الفجر الّذي يشير الى أن شمس خلاصنا بدأت تطلع، وأن نور مخلّصنا بدأ يكبر. مريم هي علامة رجاء للبشريّة، لأنّ ولادتها تمهيد لولادة الطفل الّذي وحده يعطينا الخلاص. هو عيدٌ مريميّ، ولكنّه خاصّة عيد مسيحانيّ: فاليوم بدأ وعد الله بالتحقق، اليوم بنى الربّ خباءه بيننا، اليوم وُلدت التي سوف تلد الله بالجسد، اليوم بدأ وعدٌ الربّ بالتحقق، فها حواء الجديدة قد وُلدت، امّ كلّ الاحياء.
هكذا نفهم ميلاد السيّدة العذراء، هي الفجر يسطع معلناً: لقد اقترب وصول شمس البرّ والقداسة، شمس الخلاص والحبّ، شمس المسيح المخلّص. لهذا ننادي المسيح في الليتورجيا المارونيّة قائلين: “يا شمس البرّ الخارج من مريم، الفجر الحقّ، على ظلام هذا العالم لتنيره”.
صلاتنا أن تنير مريم بشفاعتها كلّ ظلمة نمرّ بها، وتظللّ بردائها قسوةٍ نعانيها، وتبقى علامة رجاء لا يخيب لمن ينقصه الرّجاء، لنعلن معها، أن المسيح هو شمسنا التي لا تغرب، وهو رجاؤنا الأكيد.
أعاد الرّب علينا جميعاً هذا العيد بالخير والبركة، لنعلن دوماً، رغم الظلمات الكثيفة التي تحدق بنا، أن المسيح هو شمسنا يشرق من مريم الفجر الحقّ لينير ظلماتنا، ويعطينا الرجاء. آمين
أ. بيار نجم ر.م.م.

اترك تعليقاً