كوزيت شديد لموقع شرقنا: أُقدّم التراث بروحي الخاصة من دون أن أفقده أصالته”

You are currently viewing كوزيت شديد لموقع شرقنا: أُقدّم التراث بروحي الخاصة من دون أن أفقده أصالته”

زينا خليل معوشي-

في زمنٍ تتسارع فيه الأغنية وتتقلّب فيه الأذواق بين موجة وأخرى، تبقى هناك أصوات تختار أن تسير عكس التيار، متمسّكة بجمال الطرب الأصيل وأغاني الزمن الجميل. من هذه الأصوات، الفنانة اللبنانية كوزيت شديد، التي وجدت في الغناء الشرقي التراثي هويتها الفنية ومساحتها للتعبير.

بدأت كوزيت رحلتها مع الفن في سنٍّ لم تكن مبكرة كما هي العادة، لكنها عوّضت الوقت بشغفٍ صادق وإصرار على التعلّم، من مقاعد الكونسرفتوار إلى خشبة “مترو المدينة”، حيث صقلت موهبتها وتعمّقت في تفاصيل التراث الموسيقي العربي. وها هي اليوم تحمل هذا الإرث بكل فخر، تقدّمه للجيل الجديد بأسلوبٍ يحافظ على أصالته ويفتح له في الوقت نفسه أبواب الحاضر.

في هذا الحوار، تتحدث كوزيت عن بداياتها، وعن تأثير بيئتها الفنية في تكوين شخصيتها الموسيقية، وعن علاقتها بالطرب والزمن الجميل، إضافة إلى أبرز مشاريعها المقبلة التي تجمع بين إحياء التراث وتقديم أعمال تحمل بصمتها الخاصة.

كيف بدأت علاقتك بالغناء؟ وكيف أثّرت البيئة الفنية التي نشأتِ فيها على تكوين شخصيتك الموسيقية؟

 بدأت علاقتي بالغناء في سن السابعة عشرة، ولم تكن البداية عن عمر صغير. في المدرسة، لاحظت معلمة المسرح جمال صوتي وشجعتني على المشاركة في الأنشطة الفنية، ومن هنا اكتشفت شغفي الحقيقي بالغناء. هذا الشغف دفعني إلى الالتحاق بالكونسرفتوار لدراسة الغناء الشرقي، وهناك بدأت رحلتي الفعلية مع الموسيقى. وبعد ذلك، عندما تعرّفت إلى “مترو”، اتسعت معرفتي بهذا الفن، وحرصت على تطوير نفسي وصقل موهبتي بإشراف أستاذي أسامة عبد الفتاح، الذي كان له أثر كبير في مسيرتي الفنية. أما البيئة التي نشأت فيها، فقد كان لها دور أساسي في تشكيل هويتي الموسيقية. فوالدتي شاعرة زجل، وابي متذوّق للموسيقى والشعر، لذلك تشكّلت ذائقتي الفنية على هذا الأساس، ولا يزال هذا الإرث حاضرًا في اختياراتي الفنية حتى اليوم.

تختارين غالبًا اللون الطربي والأغنيات من زمن الفن الجميل، ما الذي يجذبك إلى هذا الإرث الموسيقي؟ وكيف تحاولين تقديمه لجيل اليوم؟

ما يجذبني إلى الطرب وأغنيات الزمن الجميل هو صدقها وجمالها؛ فالكلمة واللحن فيها يكمل أحدهما الآخر، وهناك انسجام حقيقي بين المعنى والإحساس والتعبير الموسيقي. أشعر أن كل أغنية تحمل قيمة فنية وشعرية عالية، وهذا ما يجعلها خالدة وقادرة على الوصول إلى الناس مهما اختلفت الأجيال.

وأحرص على تقديم هذا اللون إلى الجيل الجديد لأنني أؤمن بأنه الأساس الذي يُبنى عليه. فمن الجميل أن نحافظ على هذا الإرث الفني ونتناقله من جيل إلى آخر، لأنه جزء من هويتنا الثقافية. وأسعى دائمًا إلى تقديمه بصورة جميلة ومحترمة، تحافظ على أصالته، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمامنا لننطلق منه ونبني عليه أعمالًا جديدة تحمل روح عصرنا من دون أن تفقد جذورها.

ارتبط اسمك بمسرح “مترو المدينة” وبعدد من المشاريع التي تحيي ذاكرة الأغنية العربية، ماذا أضافت لك هذه التجارب على المستوى الفني؟

كانت هذه التجارب محطة أساسية في حياتي، لأنها منحتني فرصة الغوص أكثر في التراث الموسيقي العربي والتعرّف إلى تفاصيله عن قرب. ومن خلال العمل على هذه المشاريع، تعلّمت كيف أتعامل مع الأغنية العربية بمسؤولية واحترام، وكيف أقدّمها بروحي الخاصة من دون أن أفقدها أصالتها.

كما أن الوقوف على خشبة “مترو المدينة” والعمل مع موسيقيين وفنانين متميزين رائعين أغنى تجربتي كثيراً، وعلّمني الكثير على مستوى الأداء، والعمل الجماعي. وأعتقد أن هذه التجارب لم تطوّرني كمغنية فحسب، بل رسّخت قناعتي بأن التراث ليس مجرد ماضٍ نحييه، بل هو مصدر إلهام نستند إليه لنقدّم فنًا صادقًا ومعاصرًا.

في زمن انتشار الأغنية السريعة والمنصات الرقمية، كيف تحافظين على حضور الأغنية الطربية وعلى علاقة الجمهور بهذا النوع من الفن؟

أعتبره تحديًا يدفعنا إلى البحث عن طرق جديدة لتقديم هذا الفن والوصول به إلى جمهور أوسع. كما أنه يتيح لنا فرصة التعريف بفنانين كبار لم ينالوا ما يستحقونه من التقدير، وبأغانٍ جميلة لم تحظَ بالانتشار الذي تستحقه، رغم قيمتها الفنية العالية. فالمنصات الرقمية أصبحت وسيلة مهمة للتواصل مع الناس، ويمكننا من خلالها أن نقرّب الأجيال الجديدة من هذا التراث، ونقدّمه بأسلوب يواكب العصر، من دون أن نفقده أصالته.

وأؤمن بأن الأعمال، عندما تُقدَّم بصدق وجودة واحترام، تجد جمهورها دائمًا، لأن الجمال لا يرتبط بزمن، بل يبقى حاضرًا وقادرًا على التأثير في كل عصر.

– ما المشاريع الجديدة التي تحضّرين لها؟ وهل تفكرين في تقديم أعمال خاصة تحمل هويتك الفنية إلى جانب إعادة تقديم التراث؟

لديّ حاليًا عدد من المشاريع الجديدة التي أعمل عليها، من بينها حفلة “Triplette de Wadad” في مترو المدينة، وهي مخصصة لأغاني الفنانة وداد، وأشارك فيها إلى جانب ساندي شمعون وسلمى غزالي. كما أحيي حفلة “عالضيعة”، التي أقدّم فيها مجموعة من الأغاني والمواويل المستوحاة من أجواء الضيعة اللبنانية وتراثها، إضافة إلى حفلة “الهوى جنوبي”، التي أشارك فيها بأغانٍ من تراث الجنوب اللبناني.

كما أشارك أيضًا في “Oakenfest” ضمن جلسة للزجل اللبناني، وهو لون قريب من وجداننا وتراثنا الشعبي.

أما بالنسبة إلى تقديم أعمال خاصة تحمل هويتي الفنية، فهذا الأمر حاضر دائمًا في تفكيري، وأنا أعمل عليه، لكنّه يحتاج إلى وقت أكبر، خصوصًا من ناحية اختيار الأفكار المناسبة والعمل على الإنتاج بالشكل الذي يليق بها.

اترك تعليقاً