أحد الشعانين

You are currently viewing أحد الشعانين

الخوري نسيم قسطون:

في زحمة الأعياد، نحتفل بالشعانين حاملين السعف والأطفال، مرددين التهليل لدخول المسيح إلى أورشليم. لكن هذا المشهد المهيب يحمل في طياته سؤالاً جوهرياً: هل المسيح في حياتنا ضيف عابر نستقبله اليوم لننساه غداً، أم هو الرب المقيم في عمق أيامنا؟

ما يحدث في أحد الشعانين يختصر واقعنا الإيماني المأزوم. نحن معجبون بيسوع، بتعاليمه، بشخصيته الملهمة، ولكن إعجابنا غالباً ما يكون مشروطاً. نحبه حين تتفق تعاليمه مع رغباتنا، وحين يبارك خططنا، وحين يكون حاضراً في المناسبات السعيدة. لكننا نضيق به حين يطلب منا حمل الصليب، حين يدعونا لنكون معجزة في حياة الآخرين، حين ينتظر منا قرارات تتجاوز الهتافات المؤقتة.

الأكثر إيلاماً أن المسيح لا يُصلب اليوم على أيدي الفريسيين أو الرومان، بل يُصلب في خياراتنا اليومية. كل موقف نخذل فيه الحق هو مسمار جديد. كل لحظة نختار فيها الأنانية على العدل هي صرخة جديدة: “اصلبه!” كل مرة نفضل فيها الراحة على الواجب، أو نلتزم الصمت أمام الظلم، نكون قد وقفنا في صف الذين قالوا: “ليس لنا ملك إلا قيصر”.

الغريب أن الفريسيين غاروا من يسوع يوم دخوله إلى أورشليم، ظانين أن العالم كله ذهب وراءه. لو عاشوا بيننا اليوم، لربما هدأت غيرتهم. فكم من المحسوبين على المسيح لا يسيرون خلفه كما يجب! نحن نشبه أولئك التلاميذ الذين هتفوا في الشعانين ثم هربوا في الجمعة العظيمة، وتركوا النساء يذهبن إلى القبر وحدهن.

الأطفال في هذا العيد يذكروننا بالبساطة المفقودة. إيمانهم تلقائي، فرحهم حقيقي، لا يحملون حسابات معقدة. أما نحن الكبار، ففي زحمة المسؤوليات، نحتاج إلى فحص ضمير: هل علاقتنا مع الله موسمية كالأعياد، أم أنها نبع لا ينضب؟ لا يكفي أن نكون “ناساً طيبين” أو “فعلة خير” أو زواراً للأماكن المقدسة إن كنا نفتقر إلى العلاقة اليومية التي تترجم في أعمالنا ومعاملاتنا.

لقد مات المسيح مرة في التاريخ ليخلّصنا. لكن المؤلم أن نكون ممن يميتونه كل يوم بهتافات المناسبات ثم نعيش “بلاه وبلا منيته” في سائر الأوقات. المسيح لا يريد هتافات مؤقتة ولا إعجاباً سطحياً، بل يريد قلوباً ثابتة تسير معه على دروب الحياة لا في شوارع الاحتفالات فقط. هو لا يبحث عن متاجرين يقدمون طاعة مقابل مكافآت، بل عن أبناء يعرفونه ويحبونه بلا شروط، ويحملون أطفالهم إليه ليس في يوم الشعانين فقط، بل في كل لحظة تغتذي فيها الأرواح بحضوره.

اترك تعليقاً