من خوف القلعة إلى رحابة الرجاء: نداء إلى الضمير والعقل المسيحي!!!

You are currently viewing من خوف القلعة إلى رحابة الرجاء: نداء إلى الضمير والعقل المسيحي!!!
​بقلم فادي سعد-
​في قلب الوجدان المسيحي المشرقي، تقبع حقيقة أزلية: نحن لسنا طارئين على هذا الشرق، ولسنا أقلية تبحث عن مستجير. نحن ملح هذه الأرض، ونبض تاريخها، وصنّاع نهضتها الفكرية والثقافية. لكن، عندما نتأمل اليوم في الخطاب الذي تسوقه أحزاب مثل “القوات” و”الكتائب”، نجد أنهم يحاولون تقزيم هذا الوجود العظيم، وتحويله من رسالة فكرية وحضارية منفتحة، إلى مجرد غيتو نفسيّ وجغرافي خائف، يعيش على التوجس وينتظر الخطر خلف المتاريس.
​إن مخاطبة الوجدان المسيحي اليوم تتطلب شجاعة فائقة للتمييز بين من يريد استثمار خوفك ليبقى زعيماً، وبين من يريد تأصيل وجودك لتبقى شريكاً حقيقياً..
​المقولة الوجدانية الأخطر التي تبثها هذه الأحزاب هي أن المسيحي لا يحيا إلا إذا انعزل، وأنه يحتاج دائماً إلى بندقية حارسة تفصله عن شريكه في الوطن. لكن، بالعودة إلى جوهر الفكر والوجدان المسيحي، هل دافع الأجداد عن وجودهم بالتقوقع؟
​إن القيمة المضافة للمسيحيين في لبنان والشرق لم تكن يوماً في عدد البنادق، بل في دورهم الريادي؛ هم من أسسوا المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والمطابع، وهم من قادوا النهضة العربية. عندما تأتي أحزاب وتختصر كل هذا الإرث الحضاري بشعارات التقسيم المقنّع أو الأمن الذاتي، فهي لا تحمي المسيحيين، بل تفرغهم من رسالتهم وتجعلهم غرباء في محيطهم.
​لقد خيضت حروب إلغاء عبثية داخل البيت الواحد، فأُسكتت الأصوات الحرة، وأُهينت الكرامات، وصودرت الكنائس والمؤسسات لصالح صناديق الميليشيا. النتيجة الوجدانية كانت مؤلمة، هاجر الشباب ليس خوفاً من الآخر، بل هرباً من الأخ الذي تحول إلى أمير حرب يفرض الخوّات ويمتهن إلغاء الشريك.
​يخاطبون عاطفتك السيادية بكلمات رنانة عن الدولة والقانون. ولكن، لنحتكم إلى العقل والوجدان معاً،
​كيف لمن بنى مجده على أنقاض الدولة، وأدار كانتوناً مالياً وعسكرياً خارج الشرعية، أن يكون وكيلاً حصرياً لبناء الدولة اليوم؟
​كيف تكون السيادة حقيقية وهي تنحني عند أعتاب السفارات الغربية والعواصم الإقليمية العربية والإسرائيلية؟ إن الوجدان المسيحي الأبيّ لا يقبل أن يتحول قراره التاريخي إلى كارت ضغط في لعبة الأمم، يُباع ويُشترى في التسويات الكبرى، لتكون النتيجة دائماً دفع الثمن من كيس الحضور المسيحي في الدولة وصلاحياتها، تماماً كما جرى في محطات تاريخية عديدة (من تغطية اتفاق القاهرة 1969 إلى تفاهمات المحاصصة الضيقة في الطائف).
​تحاول هذه الأحزاب زراعة فكرة خبيثة في الوجدان: الكل يريد إلغاءكم، والكل يضمر لكم الشر”. هذا المنطق لا يبني وطناً، بل يبني معتقلاً نفسياً.
​إنّ الفلسفة المسيحية تقوم على الرجاء، والشجاعة، والشهادة للحق. المسيحي الحقيقي لا يعيش دور الضحية المستضعفة التي تبحث عن حماية خارجية أو أمن ذاتي واهم.
إنّ الكرامة المسيحية تتجلى في الذهاب نحو الشريك في الوطن بشجاعة المتفاهم والند للند، لبناء تفاهمات وطنية حقيقية تحفظ الدستور، الميثاق، والعيش الوطني الواحد، وليس بالهروب نحو خطابات الشحن الطائفي والمذهبي التي لا تثمر إلا فتناً متنقلة يدفع ثمنها المواطن في أمنه ولقمة عيشه.
​وفي قراءة موضوعية لواقعنا المعاصر، يتجلى لنا كيف يُحارَب كل فكر يحاول كسر جدران هذه القلعة النفسية؛ فعندما حاول الرئيس ميشال عون مقاربة الوجود المسيحي في لبنان والمنطقة من منظار مختلف، مبني على نسج تفاهمات وطنية عابرة للاصطفافات الطائفية التقليدية، جوبه بحملات تكفير سياسي وتخوين شرسة من تلك الأحزاب نفسها، التي رأت في خروج المسيحي من قوقعة الخوف تهديداً لمشروعها القائم على الاستثمار في القلق.
​وعندما نادى بالانتقال من مسيحية الغيتو إلى رحاب المشرقية– التي تعيد للمسيحيين دورهم التاريخي كصلة وصل وحاضنة حضارية في هذا الشرق – قامت الدنيا ولم تقعد. لقد ضاقوا ذرعاً بالفكرة، لأن المشرقية تعني الانفتاح والشراكة والندية، بينما هم لا يعيشون إلا على ضفاف الانعزال ومصادرة القرار.
​يا أبناء الوعي والحكمة،
​إن الوجود المسيحي في لبنان أقوى وأعمق من أن تختصره بندقية ميليشياوية أو شعار حزبي عابر. لا تدعوا أحداً يقنعكم بأنكم بحاجة إلى حراس يعزلونكم عن محيطكم، فالحارس الذي يعيش على خوفكم، سيظل يخترع لكم الأعداء لكي لا تفقدوا حاجتكم إليه.
​الحماية الحقيقية، والسيادة الفعلية، والوجود المصان، كلها تكمن في دولة المواطنة والقانون، وفي الانفتاح الشجاع، وفي رفض تحويل المجتمع إلى متراس في صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل. لنخرج من عقلية القلعة المحاصرة إلى رحابة الدور التاريخي؛ لأننا كنا، وسنبقى، صلة الوصل وجسر العبور لهذا الوطن نحو الغد.

اترك تعليقاً