الخوري نسيم قسطون:
يبدأ مثل الزارع (لوقا 8: 1-15) بمشهد لافت: أناس نالوا الشفاء، فصاروا شركاء في الرسالة، لا بالتصفيق ليسوع فقط، بل ببذل الوقت والمال والخدمة.
هنا تظهر أول حقيقة عمليّة: الكلمة التي لا تتحوّل إلى عطاء تبقى معلومة دينيّة لا أكثر. فالإيمان لا يُقاس بما نعرفه عن الله، بل بما نسمح له أن يغيّره في عاداتنا، وفي طريقة صرفنا لوقتنا، وفي أسلوب تعاملنا مع من حولنا.
مثل الزارع لا يدعونا إلى تصنيف الآخرين، بل إلى فحص ذواتنا بصدق. قد يصبح القلب كطريق مزدحم حين نسمع كثيرًا ولا نحتفظ بشيء، لأن الضجيج يسرق منّا كل ما هو عميق. وقد يصير كالصخر حين نحب الكلام الجميل لكننا نرفض أي التزام ثابت. وقد يمتلئ بالشوك حين نؤجل ما يخص الروح باسم الانشغال الدائم، فنصرف جهدنا كله على ما هو عاجل وننسى ما هو أساسي. المشكلة هنا ليست في قلّة النيات الحسنة، بل في غياب الانضباط الداخلي. لذلك، من يريد أن يجعل قلبه أرضًا صالحة يحتاج إلى خطوات واضحة: وقت يومي قصير للإنجيل، صمت حقيقي بعيدًا عن الهاتف، سؤال واحد بعد القراءة: ماذا أطلب أن أعيش اليوم؟ ثم قرار صغير قابل للتنفيذ.
الأرض الجيدة ليست قلبًا كاملًا، بل قلبًا يُعتنى به. الفلاح لا ينتظر الحقل لينظّف نفسه، وكذلك نحن. علينا أن نقتلع ما يخنق الكلمة: خصام مؤجل، عادة تستهلكنا، مقارنة دائمة بالآخرين، أو خوف يجعلنا نعيش بردّات الفعل. ويمكن اختبار ثمر الكلمة بطريقة بسيطة جدًا: هل صرت أكثر أمانة في عملي؟ أكثر رحمة في بيتي؟ أقل اندفاعًا في حكمي على الناس؟ أكثر قدرة على الاعتذار والمسامحة؟ الثمر الحقيقي لا يظهر أولًا في الكلام الروحي، بل في السلوك اليومي الذي يخفف عن الآخرين ويمنحهم سلامًا.
من هنا، لا يكفي أن نحضر الصلاة أو نصغي إلى العظة ثم نعود كما نحن. المطلوب أن نحمل كلمة واحدة إلى الأسبوع كله: إلى البيت في طريقة الإصغاء، إلى العمل في النزاهة، إلى العائلة في الصبر، إلى المجتمع في خدمة لا تنتظر مديحًا. وعندما نتعب أو نفشل، لا نعتبر ذلك نهاية الطريق، بل نعود إلى الزارع الذي لا يبخل بالبذار. ما يطلبه الله منّا ليس نجاحًا سريعًا، بل قلبًا يقبل أن يُحرث من جديد، حتى تصبح حياتنا مكانًا تنمو فيه الكلمة ويستفيد من ثمرها الآخرون.
