عيد إنتقال العذراء مريم

You are currently viewing عيد إنتقال العذراء مريم

الخوري نسيم قسطون:

في عيد انتقال أمّنا مريم، لا يكفي أن نُعجب بجمال نشيدها (لوقا 1: 46-55)، بل الأهم أن نحوّله إلى برنامج حياة. فمريم لم تكتفِ بالكلام عن الله، بل جعلت حياتها كلّها مساحةً لعمله. من هنا تبدأ الرسالة العمليّة: أن ينتقل الإيمان من الصلاة إلى السلوك، ومن العاطفة إلى القرار اليومي.

أول ما يعلّمنا إيّاه هذا العيد هو ترتيب الداخل. من السهل أن ينشغل الإنسان بصورته ومكانته ونجاحه، لكن مريم توجّه النظر إلى الله لا إلى الذات. وهذا يعني عمليًا أن يبدأ يومنا بسؤال بسيط: ماذا في كلامي وعملي اليوم يُظهر حضور الله؟ قد يكون الجواب في كلمة هادئة بدل ردّ جارح، أو في أمانةٍ في العمل، أو في صبرٍ داخل البيت، أو في الامتناع عن تضخيم الذات أمام الآخرين.

ثم يضعنا نشيدها أمام التواضع، لا كفكرة جميلة، بل كأسلوب حياة. التواضع العملي هو أن يعرف الإنسان حدوده، وأن يقبل التعلّم، وأن يعترف بخطئه من دون تبرير دائم. وهو أيضًا أن نكفّ عن قياس قيمة الناس بما يملكونه أو بما يفيدوننا به. فكم من علاقاتنا تُبنى على المصلحة، وكم من أحكامنا تُطلق بسرعة على الضعفاء والبسطاء. في هذا العيد، المطلوب خطوة واضحة: أن نعيد الكرامة إلى من نتجاهلهم، في البيت والعمل والمجتمع.

كذلك يذكّرنا النص بأن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن الرحمة. لا معنى لتمجيد الله إذا بقي الجائع جائعًا والمحتاج وحيدًا. الرحمة هنا ليست مشاعر فقط، بل مشاركة ملموسة: مساعدة عائلة متعبة، زيارة مريض، تخصيص جزء ثابت من المال أو الوقت لخدمة الآخرين، والانتباه إلى الجوع الخفي أيضًا، جوع التشجيع والإنصات والاحتواء. كثيرون حولنا لا يحتاجون فقط إلى ما يُعطى باليد، بل إلى قلب لا يحتقرهم.

ومن الجوانب العمليّة أيضًا أن نراجع علاقتنا بما نملك. فالعيد يذكّرنا بأن ما نجمعه لن يرافقنا، أمّا ما نصنعه بالمحبّة فهو الذي يبقى. لذلك من الحكمة أن يتعلّم الإنسان التخفيف من التعلّق الزائد بالأشياء، ومن الغيرة، ومن المقارنات، ومن وهم السيطرة. هذا التخفيف يحرّر القلب ويجعله أكثر استعدادًا لله وأكثر سلامًا مع نفسه.

وأخيرًا، انتقال مريم يضع أمامنا معنى الاستعداد، لا بالخوف من النهاية، بل بجديّة العيش. الاستعداد يكون بتنقية النيّة، والمثابرة على التوبة، واحترام الجسد والنفس، والمواظبة على الصلاة والأسرار وكلمة الله. فالسماء لا تبدأ بعد الموت فقط، بل تبدأ حين يصير القلب أكثر نقاءً، والبيت أكثر محبّة، والإنسان أكثر صدقًا.

هكذا يصبح العيد دعوةً واضحة: أن نعيش بخفّة من يعرف أن غايته ليست الأرض وحدها، وبأمانة من يريد أن يترك أثر خير حيث هو. مريم تُظهر لنا أن الطريق إلى المجد يمرّ عبر التواضع والطاعة والخدمة. ومن يسلك هذا الطريق، يبدأ انتقاله من الآن: من الأنانية إلى العطاء، ومن الضجيج إلى السلام، ومن التعلّق بما يزول إلى التمسّك بما يبقى.

اترك تعليقاً