الخوري نسيم قسطون:
يزعجنا يسوع كثيرًا حين يضع أصبعه على جراحنا الخفيّة، فتعاليمه عن المحبّة والصفح ليست كلامًا نظريًّا بل مطالب يوميّة تصطدم بكبريائنا وأنانيّتنا.
وكما تآمر الفرّيسيّون على إسكات صوته لأنّه كشف زيفهم (متى 12/14-21)، كذلك نحن، حين يضيق بنا ضميرنا، نميل إلى إسكاته بدل الإصغاء إليه، فنبرّر قسوتنا ونعيد تسمية أنانيّتنا “حكمة” أو “واقعيّة”.
- الخطوة العمليّة الأولى: تبدأ من الانسحاب الواعي، لا الهروب الجبان. حين ينسحب يسوع من موضع الخطر ليصلّي، يعلّمنا أنّ المواجهة الحقيقيّة لا تبدأ في ساحة الصّراع بل في الخلوة مع الله. فكم من نزاع بيتيّ أو مهنيّ كان يمكن أن يُحلّ لو أخذنا لحظة صمتٍ وصلاة قبل الردّ، بدل الانجرار إلى ردّ فعل غاضب يزيد الجرح اتّساعًا. الصلاة هنا ليست ترفًا روحيًّا بل تحصينٌ عمليّ يمنحنا القدرة على التمييز بين معركة يجب خوضها الآن، وأخرى يُحسن تأجيلها إلى وقتها المناسب.
- الخطوة العمليّة الثانية: أن نتعامل مع ضعف الآخرين برفقٍ لا بكسر. فالقصبة المرضوضة والفتيلة المدخّنة صورتان لكل إنسان متعبٍ نلتقيه في حياتنا اليوميّة، سواء كان زميلًا مرهقًا، أو قريبًا يمرّ بأزمة، أو حتى غريبًا يخطئ في حقّنا. غريزتنا الأولى غالبًا هي أن نضغط أكثر على من هو مثقل أصلًا، أو أن نطفئ من هو أوشك أن ينطفئ بكلمة قاسية أو حكمٍ متسرّع. لكنّ المنطق الإنجيليّ يدعونا إلى العكس تمامًا: أن نسند الهشّ بدل أن نكسره، وأن نُبقي شعلة الرجاء متّقدة عند من كادت تخبو.
- الخطوة العمليّة الثالثة: تتعلّق بكيفيّة إدارة خلافاتنا اليوميّة. فبدل أن نستبدل حجّة بأخرى في جدالٍ لا ينتهي، يدعونا يسوع إلى استبدال منطق المواجهة بمنطق العطاء الزائد: من يطلب منّا ميلًا، نمشي معه ميلين. تطبيق هذا في الحياة العمليّة يعني أن نتجاوز أحيانًا حدود ما هو “مطلوب منّا” في العلاقات، لا استضعافًا لأنفسنا، بل قناعةً بأنّ المحبّة الحقيقيّة تتجاوز حساب الحقوق والواجبات الدقيق.
وأخيرًا، فحص الضمير اليوميّ ضروريّ:
- هل أصغيت لمن حولي أم انتظرت دوري لأتكلّم؟
- هل سامحت فعلًا أم اكتفيت بالكلام عن التسامح؟
- هل كنت اليوم مصدر سلامٍ في بيتي وعملي، أم زدت التوتّر باحتقاني وحدّتي؟
فالمسيحيّة العمليّة لا تُقاس بحجم معرفتنا اللاهوتيّة، بل بمدى قدرتنا على أن نكون، في أصغر تفاصيل يومنا، رسلًا صامتين للسلام الذي لا يُماحك ولا يصيح.
