الأحد السادس عشر من زمن العنصرة

You are currently viewing الأحد السادس عشر من زمن العنصرة

الخوري نسيم قسطون:

يضعنا مثل الفرّيسي والعشّار (لوقا 18: 9-14) أمام سؤال جوهري: ليس “هل نصلّي؟” بل “كيف نصلّي؟”. فالصلاة ليست مجرّد واجب ديني نؤدّيه، بل هي لقاء حميم مع الله، وطريقة صلاتنا تكشف حقيقة علاقتنا به.

صعد الفرّيسيّ إلى الهيكل حاملاً قائمة إنجازاته: “أصوم مرّتين في الأسبوع، وأؤدّي العشر عن كلّ ما أقتني”. لم يكن يطلب شيئاً من الله، بل كان يعرض عليه سيرته الذاتية! صلاته امتلأت بالمقارنة مع الآخرين والتكبّر عليهم، وكأنّه يقول لله: “انظر كم أنا أفضل من الباقين!”. هذا النموذج يعكس واقعاً نعيشه كثيراً: ممارسات دينية تتحوّل إلى استعراض وتشاوف، حتّى في أعراسنا وجنازاتنا، حيث يطغى البزخ والمظهر على جوهر اللقاء مع الله.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: “لا شيء أكثر بؤساً من الإنسان الذي يفتخر ببرّه الذاتي”. فالفرّيسيّ نسي أنّ كلّ عطيّة صالحة هي من الله، وحوّل نِعَم الله إلى إنجازات شخصية يتباهى بها. صلاته أصبحت أنانية، لا تكترث للآخرين، ولا تفتح القلب لعمل النعمة الإلهية.

أمّا العشّار، فوقف بعيداً، لا يجرؤ حتّى على رفع عينيه نحو السماء، وقال: “اللّهمّ، اصفح عنّي أنا الخاطئ!”. مختصر مفيد، لكنّه يحمل كلّ ما يحتاجه الإنسان في علاقته مع الله. لم يقارن نفسه بأحد من البشر، بل قارنها بقداسة الله، فأدرك حقيقة وضعه كخاطئ محتاج للرحمة. لم تكن صلاته دينونة لذاته، بل انفتاحاً على رحمة الله التي تُحيي وتجدّد.

التواضع هو مفتاح صلاة العشّار، ذلك التواضع الذي يجعلنا نعترف بخطايانا لا لنيأس، بل لننال الصفح والتجديد. يقول القديس أوغسطينوس: “املأ ذاتك أولاً بالتواضع، فقط حينها يمكن لله أن يملأك من نعمته”. العشّار لم يضيّع وقته في سرد إنجازاته أو في انتقاد الآخرين، بل ركّز على ما ينقصه: رحمة الله وصفحه. وهذه الرحمة التي نالها سيترجمها في حياته العملية، كما فعل زكّا العشّار حين قال: “أعطي نصف مقتنياتي للفقراء، وإن كنت قد ظلمت أحداً بشيء، فإنّي أردّ له أربعة أضعاف”.

في حياتنا اليومية، نلتقي بكلا النموذجين: الفرّيسيّ الذي يحرص على المظاهر الدينية لكنّه ينسى الرحمة، والعشّار الذي اختبر التوبة الصادقة فتحوّلت حياته.

الخطر هو:

  • أن نذهب إلى الكنيسة ونعود دون أن نفسح المجال لله ليسكن في قلوبنا ويغيّرها.
  • أن تصبح صلواتنا روتيناً فارغاً، أو أسوأ من ذلك، مناسبة للتباهي والمقارنة.

الدعوة اليوم هي أن نفحص ضميرنا بصدق:

  • هل صلاتنا حوار حقيقي مع الله أم مونولوج نرضي به ذواتنا؟
  • هل نضع أمامنا خطايانا لنتوب، أم إنجازاتنا لنتكبّر؟

التوبة الحقيقية ليست مجرّد اعتراف عابر بالخطيئة، بل هي موقف دائم من التواضع والانفتاح على عمل الله المجدّد، موقف يقودنا لتغيير حياتنا وعلاقاتنا مع الآخرين.

الاختيار أمامنا:

  • فرّيسيّ أم عشّار؟
  • صلاة مملوءة كبرياءً أم صلاة مُفعمة بالتواضع؟

المسيح واضح في حكمه: “مَن رفع نفسه اتّضع، ومَن وضع نفسه ارتفع”. فلنختر طريق العشّار، طريق التواضع والرحمة، لتصبح صلاتنا لقاءً حقيقياً يحوّل قلوبنا ويُثمر محبّة في حياتنا.

اترك تعليقاً