الأحد الثاني بعد عيد الصليب

You are currently viewing الأحد الثاني بعد عيد الصليب

الخوري نسيم قسطون:

في خضمّ ضجيجٍ يوميّ تتسابق فيه الإشعارات والعناوين على تشكيل وعينا، تظلّ وصيّة المسيح “احذروا أن يضلّكم أحد” (متى: 24: 1-14) أكثر إلحاحًا من أيّ وقتٍ مضى. فالخداع المعاصر لا يأتي من معابد وثنيّة، بل من شاشاتٍ نفتحها طوعًا: تنبؤاتٌ نصدّقها قبل الصلاة، ووعودٌ بثراءٍ فوريّ تُغني عن الثقة بالعناية، وزعماءُ روحيّون يبيعون راحةً بلا صليب.

المعيار العمليّ للتمييز ليس في بلاغة الكلام، بل في ثمرته الملموسة: هل يدفعني هذا الصوت نحو تواضعٍ حقيقيّ ومحبّةٍ تُترجم في أفعال، أم ينفخ فيّ خوفًا يجعلني أنغلق على ذاتي وأحتقر مَن يختلف عني؟ القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم ينبّهنا: “الشيطان لا يهاجمك بوجهه المكشوف، بل بثوبٍ يشبه الفضيلة”، ولذلك فإنّ أخطر الضلالات هي تلك التي تبدو معقولةً ومُريحة، وتُشعرك بأنّك على حقٍّ دائمًا.

وهذا التمييز يمتدّ حتمًا إلى موقفنا من الكنيسة. فحين نكتشف فيها ضعفًا بشريًّا – وهذا أمرٌ لا مفرّ منه – يكون الخيار الأسهل هو الانسحاب باسم النقاء والبحث عن جماعةٍ “أنقى”. لكنّ المحبّة الحقيقيّة لا تهرب من الجسد المريض، بل تسعى إلى شفائه من الداخل. القدّيس أوغسطينوس يلخّص هذا الموقف بقوله: “مَن يفصل نفسه عن الكنيسة بسبب خطايا أعضائها يفصل نفسه عن المسيح نفسه”. فالإصلاح الحقيقيّ يبدأ من صلاةٍ صامتة وقدوةٍ يوميّة في رعيتك وعائلتك، لا من منشوراتٍ تفضح ولا تبني.

أمّا حين تضربنا الشدائد – مرضٌ أو فقدانٌ أو أزمةٌ لا نرى مخرجًا منها – فإنّ الغريزة تدفعنا إلى قراءةٍ عقابيّة نحمّل فيها الله مسؤوليّة ألمنا. لكنّ المسيح سمّى هذه الآلام “مخاضًا”، والمخاض ليس نذير فناءٍ، بل مقدّمة ولادة. الألم لا يصبح فضيلةً بذاته، بل حين نرفض أن يجعلنا نكفر بأمانة الله حتى في أحلك اللحظات، وحين نسمح له أن يعمّق صلتنا به بدلاً من أن يقطعها.

يبقى السؤال العمليّ: ماذا أفعل غدًا صباحًا؟ الخطوة أبسط ممّا نتصوّر: أن أختار عادةً واحدة تُبعدني عن الله – عادةَ القلق المفرط، أو عادةَ الحكم على الآخرين، أو عادةَ إضاعة الوقت فيما لا يفيد – وأستبدلها بفعلٍ صغيرٍ من رحمةٍ أو صدقٍ أو صبر. فالخلاص ليس إنجازًا يُحقَّق مرّةً واحدة، بل مسيرةً تُعاد كلَّ فجر. ومَن يثبت في هذه المسيرة البسيطة يكتشف أنّ الصبر ليس انتظارًا سلبيًّا، بل تمسّكًا نشطًا بصخرةٍ لا تتزعزع، حتى حين يتزعزع كلُّ ما حوله.

اترك تعليقاً