الأحد الخامس بعد عيد الصليب

You are currently viewing الأحد الخامس بعد عيد الصليب

الخوري نسيم قسطون:

يضعنا إنجيل العذارى العشر (متى 25: 1-13) أمام مفارقةٍ لا ننتبه إليها غالبًا: فالحديث عن الدينونة يأتي بصيغة عرسٍ لا بصيغة محكمة. والعرس فرحٌ لا رعب، مما يعني أنّ نهاية الزمان بالنسبة إلى المستعدّ ليست كارثةً، بل لقاءً مع العريس الذي طال انتظاره. لكنّ المشكلة الحقيقيّة ليست في غيابنا عن الكنيسة، بل في حضورنا الفارغ داخلها، حيث نجلس في المقعد نفسه ونردّد الكلمات نفسها بينما القلب مشغولٌ بألف حسابٍ وحساب.

فالزيت الذي أهملته العذارى الجاهلات ليس مادةً تُشترى في اللحظة الأخيرة، بل هو تراكمٌ يوميٌّ لصلاةٍ حقيقية وعملٍ ملموس. يقول القدّيس يوحنا فم الذهب: «الزيت هو الرحمة والصدقة، فمن لم يرحم أخاه انطفأ مصباحه وإن كان يحمل اسم الإيمان.» وهذا يعني أنّ القدّاس الذي أحضره بجسدي فقط، والاعتراف الذي أؤدّيه بشفاهي دون ندامة، والصدقة التي أعطيها من فضول مالي لا من حاجتي، كلّها مصابيح بلا زيت. إنّها طقوسٌ تؤدّى بلا روح، وشكلياتٌ تُرضي المجتمع ولا تُنير الظلمة.

والخطر الأكبر هو الوهم بأنّ الوقت متّسع. فالعذارى الجاهلات لم يكنّ غائبات عن مكان الانتظار، بل كنّ حاضراتٍ ونائمات. كم منّا يعيش هذا النوم الروحيّ: يذهب إلى جنازةٍ ولا يصلّي، يحضر عمادًا ولا يجدّد معموديّته، يمرّ بجانب محتاجٍ ويعتذر بانشغاله، ويظنّ أنّ مجرّد الانتماء إلى الكنيسة يكفي. لكنّ الانتماء بلا ممارسة يشبه المصباح بلا زيت: شكلٌ بلا نور.

ويضيف القدّيس أوغسطينوس بُعدًا أعمق حين يقول: «الزيت هو فرح الضمير الصالح النابع من المحبّة، لا من مديح الناس.» فالحكيم هو من يعمل الخير في الخفاء، من يصلّي حين لا يراه أحد، من يغفر حين لا يُطالب بذلك. هذا هو الزيت الذي لا يمكن شراؤه من بائعٍ خارجيٍّ لأنّه ينمو في أعماق القلب فقط، ولا يمكن استعارته من قريبٍ أو صديقٍ لأنّه ثمرة علاقةٍ شخصيّة مع الله.

المطلوب عمليًّا اليوم هو خطوةٌ واحدة بسيطة: أن أسأل نفسي قبل كل قدّاس، وكل لقاء، وكل قرار، هل مصباحي ممتلئ أم أنّني أعتمد على زيت الآخرين؟ فالعريس لن ينتظر إلى الأبد، والباب حين يُغلق لا يُفتح بقرعٍ متأخّر. لكنّ الخبر السارّ هو أنّ الليلة لم تنتهِ بعد، والباعة لا يزالون يبيعون، والزيت متاحٌ لكلّ من يقرّر أن يبدأ الآن، لا غدًا ولا حين تهدأ أحواله، بل اليوم حيث النعمة حاضرة والباب مفتوح.

اترك تعليقاً