الخوري نسيم قسطون:
بعد القيامة، لم يكن التلاميذ قد دخلوا بعد في وضوح الرسالة كلّه. كانوا يحملون ذكرى الصليب، ودهشة القبر الفارغ، وفرح اللقاءات الأولى بالمعلّم القائم، لكنّ قلوبهم بقيت تتأرجح بين الإيمان والخوف، بين الدعوة القديمة وما اعتادوه من قبل.
لذلك عادوا إلى البحيرة (يوحنا 21: 1-14)، لا لأنّهم نسوا يسوع تمامًا، بل لأنّ الإنسان حين يضطرب يرجع غالبًا إلى ما يعرفه. غير أنّ الليل الطويل الّذي قضوه من دون صيد كشف لهم حقيقة مؤلمة: ما يظنّه الإنسان أرضًا ثابتة قد يصير فجأة مكان عجزه، وما يتّكل عليه كثيرًا قد لا يسنده حين يفتقد النور الداخلي.
وعند الفجر وقف يسوع على الشاطئ، لا كغريب عن تعبهم، بل كمن يراقب بصمت لحظة انكسارهم ليحوّلها إلى بداية جديدة. لم يوبّخهم على فشلهم، ولم يطالبهم بتبرير ما فعلوا، بل دخل إلى ضعفهم بسؤال بسيط، ثمّ بدعوة أكثر بساطة: أن يحاولوا من جديد. هكذا يعمل الربّ في حياتنا. لا يلغي تعبنا، ولا يقوم مكاننا بما أُعطينا أن نقوم به، لكنّه يفتح في داخل المحاولة المتعبة أفقًا لم نكن نراه. أحيانًا لا ينقصنا جهد أكبر، بل إصغاء أعمق. فنحن قد نكرّر العمل ذاته مرارًا، لكنّ الثمرة تأتي حين يتّحد جهدنا بكلمته.
وما إن امتلأت الشبكة حتّى أدرك التلميذ الحبيب أنّ الواقف على الشاطئ هو الربّ. فالمحبّة الصافية ترى أسرع، وبطرس المندفع يقترب أسرع. بين بصيرة يوحنّا وغيرة بطرس صورة جميلة للكنيسة وللنفس المؤمنة: من يعرف الربّ حقًّا لا يكتفي بالتأمّل فيه من بعيد، بل يشتاق إلى الاقتراب منه بكلّ كيانه. ولعلّ أجمل ما في هذا المشهد أنّ يسوع لم ينتظر تلاميذه ليهيّئوا له شيئًا، بل كان قد أعدّ لهم النار والطعام. قبل أن يطلب منهم أن يأتوا بما اصطادوه، كان قد سبقهم بالعناية. وهذا يذكّرنا بأنّ الله لا يتغذّى من عطائنا، بل نحن الذين نعيش من عطاياه، ثمّ يشرّفنا بأن نجعل ما بين أيدينا شريكًا في عمل نعمته.
إنّ رسالة هذا الإنجيل لا تدعونا إلى الهرب من مسؤوليات الحياة، بل إلى أن نحياها من الداخل مع الربّ. فالعمل بلا معنى روحيّ يتحوّل سريعًا إلى إرهاق، والنجاح بلا حضور الله يبقى ناقصًا، أمّا أبسط الجهود إذا قُدّمت له فتغدو طريقًا إلى البركة. لذلك ليس المطلوب من المؤمن أن يترك البحر، بل أن يعرف لمن يلقي شبكته، وليس أن يرفض العالم، بل أن يشهد فيه لرجاء لا ينطفئ. وحين نعترف بفراغ أيدينا، ونسمح للمسيح أن يوجّه خطانا، نكتشف أنّ الفجر لا يبدأ حين تنتهي الليلة فقط، بل حين نقبل أن يكون هو واقفًا على شاطئ حياتنا.
