لماذا أصبح الإنسان يعرف أكثر ويفهم أقل؟

You are currently viewing لماذا أصبح الإنسان يعرف أكثر ويفهم أقل؟
في أي عصر سابق كان الجهل ناتجاً عن نقص المعلومات .
أما اليوم فالمشكلة معاكسة ، المعلومات تملأ كل شاشة هاتف و كل بيت فيه تلفاز و كل كتاب لا نعطي له وقتاً لنقرأه ومع ذلك يتراجع الفهم العميق يوماً بعد يوم .
السؤال الأهم ليس كم نعرف ، بل كيف نعرف ، وماذا نفعل بما نعرف .
لقد تحوّلت المعلومة من وسيلة لفهم العالم إلى سلعة تتنافس المنصات على إنتاجها واستهلاكها بأقصى سرعة . فاقتصاد اليوم يقوم على بيع الانتباه البشري ، وكل دقيقة أمام الشاشة تمثل قيمة اقتصادية لمنصات التكنولوجيا وشركات الإعلان .
المنصات لا تكافئ المحتوى الأعمق ، بل تكافئ الأسرع انتشاراً .
فيتلقى الإنسان مئات الأخبار يومياً دون وقت للتأمل ، ويتحول العقل تدريجياً من أداة للفهم إلى أداة للاستقبال المستمر .
الفهم يحتاج توقفاً ، والبيئة الرقمية تقوم على الحركة .
يحتاج تركيزاً ، والمنصات تقوم على التشتيت .
يحتاج إلى طرح أسئلة ، والخوارزميات تدفعنا نحو إجابات جاهزة .
هنالك سؤال لا بد من الإشارة إليه وهو :
هل كانت الأجيال السابقة أعمق فهماً حقاً ؟
قبل أن نُثني على الماضي ، لا بد من سؤال مزعج : هل كانت تلك الأجيال فعلاً أعمق فهماً ..؟
كما نعلم أن كثير منها كان يحفظ دون أن يفهم هي الأخرى ، لكن جهلها كان أهدأ لأنه لم يكن مرئياً .
الجيل القديم لم يكن يفهم أسباب الحر..ب ، لكنه لم يكن يتظاهر بذلك على الملأ .
أما اليوم فالجهل يُبَثّ مباشرةً ويجد مليون معجب قبل أن تغرب الشمس .
المشكلة ليست أن الإنسان صار قليل الفهم ، بل أن هذا الأمر صار أعلى صوتاً .
والخطر الأكبر ليس جهل الإنسان بما لا يعرفه ، بل ثقته المطلقة بأنه يعرف .
ولا بد لنا أن نبين أن التعليم والإعلام شريكان في الجريمة حيث أن أنظمة التعليم ما زالت تعلم على الحفظ و تتناسى تعليم التحليل ، وتُتيح لمن يعيد صياغة ما قاله المعلم أن ينجح ، بينما تُعاقب أحياناً من يُشكّك أو يُجادل .
والإعلام بات يفضّل السبق على التعمق لأن الخبر الذي يُثير غضبك يُشارَك أسرع من الخبر الذي يُنير عقلك .
فوق ذلك ، باتت خوارزميات “غرف الصدى” تحجب عن الإنسان أي اصطدام بوجهة نظر مختلفة ، فيتحول العقل من باحث عن الحقيقة إلى مرآة تعكس ما يؤمن به أصلاً .
وكما نعلم أنه لكل شيء ثمن
فما ثمن هذه المعضلة ..؟
مجتمع يحفظ الكثير ولا يفهم إلا قليلاً يبقى عرضة للتضليل .
وثمن ذلك ليس نظرياً : إنه مجتمعات تنتخب بناءً على الإثارة لا البرنامج ، وتتبنى نظريات محددة لأنها أكثر إرضاءً من الحقيقة المعقدة ، وتحكم على الآخرين بمقطع مدته ثلاثون ثانية .
كيف نستعيد قدرتنا على التفكير والفهم..؟
الحل يبدأ بتعليم يُكرّم السؤال قبل الإجابة فالفلسفة والمنطق ليسا ترفاً بل حصانة فكرية ويمر بثقافة التباطؤ المعرفي ، إذ أن مقال معمّق واحد يفوق عشرين خبراً متسرعاً .
ويشمل محو أمية رقمية حقيقية : ليس كيف تستخدم التطبيقات ، بل كيف تعمل الخوارزميات ومن يستفيد من إدمانك . وينتهي بإعادة الاعتبار للشك ، فالمجتمع الذي يُكرّم اليقين السريع يكافئ الجهل المتسرع ويعاقب الحكمة المتأخرة .
إن أخطر أشكال الفقر في عصرنا لم يعد فقر المعلومات ، بل فقر الفهم .
وأفضل أشكال القوة لم تعد امتلاك المعرفة ، بل القدرة على تفسيرها .
فليس المهم أن تعرف أكثر ، بل أن تتجرأ على السؤال الأصعب : لماذا يحدث ..؟ وماذا يعني ..؟
من صفحة كلا.

اترك تعليقاً