تقع كنيسة مار سابا في قرية إدِّه بمحافظة لبنان الشمالي (قضاء البترون)، وتُعدّ من أقدم وأبرز الشواهد المعمارية والفنية التي تعود إلى عهد الصليبيين في الشرق. ترتفع البلدة زهاء 400 متر عن سطح البحر وتبعد عن بيروت نحو 62 كيلومتراً، وتضم كنائس أثرية عدة ككنيسة مار ماما التي تعود للقرن التاسع أو العاشر. ويعني اسم القدّيس مار سابا (المتوفى عام 532م) باللغة السريانية “العجوز” أو “الحكيم”. تعكس هندسة الكنيسة مزيجاً فريداً بين الأساليب الغربية والمحلية لكونتية طرابلس في القرن الثاني عشر؛ إذ صُممت بجدران ضخمة وسقف واطئ ومرامٍ ضيقة للسّهام تُستخدم لأغراض دفاعية، بينما أُضيفت دعائم جانبية لتثبيت الجناح الأوسط المرتفع على غرار الكاتدرائيات الغربية. وتختزن جدرانها الداخلية بقايا جداريات (فريسكو) ذات طابع بيزنطي يعود للقرن الثاني عشر، تتجلى في دقة الخطوط والظلال الخضراء في رسم الوجوه، ومن أبرزها مشهد “رقاد العذراء” على الحائط الشمالي، ومشهد “الصلب” المفعم بالتعبير، إلى جانب مشهد “العذراء ومار جرجس” ذي اللمسة المحلية على الجدار الجنوبي. وقد أرّخ البطريرك اسطفان الدويهي للمستوى الثاني من هذه الجداريات استناداً إلى كتابة سريانية بالخط الإسترانجيلي تصف انتصار الموارنة لدى مساندتهم للصليبيين في صدّ هجوم السلطان بيبرس على طرابلس عام 1266م. ورغم تعرض الفريسكو للتلف والتشويه بالأزاميل في القرن الماضي محاولةً لطلاء الجدران، نجحت “جمعية ترميم ودراسة الجدرانيات العائدة للقرون الوسطى” (AREFML) بين عامي 2012 و2013، بإشراف مديرية الآثار وبقيادة الخبير الروسي فلاديمير سارابيانوف، في إنقاذ الجداريات وإعادتها إلى ألقها. وتجدر الإشارة إلى أن عالم الآثار الفرنسي إرنست رينان كان قد نقل عتبة الباب الغربي لهذه الكنيسة إلى متحف اللوفر، وهي قطعة هللينية النمط تعلوها مدونة مسيحية، ضمن آثارات لبنانية أخرى استولى عليها من مناطق مختلفة كإدّه جُبيل ومعاد وعين إبل وحناوية.
