الأحد الثالث بعد عيد الصليب

You are currently viewing الأحد الثالث بعد عيد الصليب

الخوري نسيم قسطون:

في عصرٍ تتضاعف فيه مصادر المعرفة وتنفتح آفاق العلم، يبقى التناقض صارخًا حين نرى متعلّمين وحاملي شهادات ينساقون وراء خرافاتٍ تُغلّف بغلافٍ ديني. فتجد من يعلّق نعل حصانٍ على مرآة سيارته دفعًا للعين، ومن يعمّم صلاةً مهدّدًا بالهلاك إن لم تُنشر لعشرة أشخاص، ومن يعتبر إعجابًا إلكترونيًّا تحت صورة قدّيس ضمانةً للسلامة، فيما الصليب المعلّق في السيارة يتجاور مع تميمةٍ وثنيّة. هذه الممارسات لا تمتّ إلى جوهر الإيمان بصلة، بل تكشف عن خلطٍ خطير بين التقوى والأسطورة، وتُحوّل الدين من علاقة حبٍّ مع الله إلى مجموعة تعاويذَ لا تختلف عمّا كان يفعله الأجداد في عصور الجهل.

ويزداد الأمر سوءًا حين يُقرأ إنجيل اليوم (متى 24: 23-31) حرفيًّا، فيُحوَّل تحذير المسيح من الأنبياء الكذبة إلى مصدر ذعرٍ يومي. فكلّ حربٍ جديدة أو ظاهرةٍ فلكيّة أو أزمةٍ اجتماعيّة تصير فورًا علامة نهاية، ويُروَّج كلّ تأويلٍ مشؤوم على أنّه حقيقةٌ لا تقبل النقاش. لكنّ القراءة الحرفيّة تشوّه مقصد النصّ الذي وُضع لا لبثّ الرعب في النفوس بل لحثّ المؤمن على اليقظة الروحيّة. وكما يوضّح القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم في تفسيره لإنجيل متّى: “لم يقل الربّ هذه الأمور ليُرعبنا، بل ليوقظنا من سبات الغفلة”، فالهدف هو السهر الفعّال لا الارتجاف العاجز.

عمليًّا، المسألة أبسط ممّا نتصوّر. فبدل أن تشغل بالك بموعد نهاية العالم الذي لا يعلمه سوى الآب، اسأل نفسك بصدق: متى تكون نهايتي أنا؟ قد تأتي بعد ساعةٍ أو يومٍ أو سنة، وهذا هو الانتهاء الوحيد الذي يستحقّ استعدادك الحقيقي. وقد لخّص القدّيس أغسطينوس هذه الفكرة بعبارةٍ بليغة حين قال: “لا تسعَ لمعرفة الزمن الذي جعله الآب في سلطانه، بل عش صالحًا فيجدك الزمن مستعدًّا حين يأتي”. فالتوبة اليوميّة العميقة، والمصالحة الفوريّة مع من أسأت إليه، والصدقة بصمتٍ ودون مراءاة، والصلاة بصدقٍ لا بخوف — هذه هي الاستعدادات العمليّة الوحيدة التي تُغنيك عن كلّ تنبّؤٍ وإشاعة.

أمّا علامة ابن الإنسان الحقيقيّة، فلا تبحث عنها في السماء بين النجوم المتساقطة، بل في القربان الذي تتناوله بإيمان، وفي الكلمة التي تفتحها كلّ صباح، وفي وجه القريب الجائع أو المريض الذي تخدمه بمحبّة. فمَن يهمل حضور المسيح في هذه البساطة اليوميّة لن ينفعه انبهارٌ بأعجوبةٍ عابرة أو ظهورٍ مزيّف، لأنّ إيمانًا لا يُترجم إلى محبّة ملموسة هو إيمانٌ مبنيٌّ على رملٍ سرعان ما تجرفه العواصف.

اختر إذن أن تعيش كابن للقيامة لا كابن للرعب، واجعل من كلّ يومٍ احتفالًا بالحياة الأوفر التي جاء المسيح ليمنحك إيّاها، تاركًا وراءك ذكرًا صالحًا لا صدى تشاؤم.

اترك تعليقاً