الأحد الثالث للقيامة

You are currently viewing الأحد الثالث للقيامة

الخوري نسيم قسطون:

في مسيرة الإنسان لحظات يخيّل إليه فيها أنّ كلّ ما آمن به قد تهاوى، فيمضي مثقلًا بالأسئلة، مشتّت القلب، وكأنّ الطريق أمامه أطول من احتمال روحه. في تلك الساعات لا يكون الخطر في الألم نفسه، بل في أن نسمح له بأن يقنعنا أنّ الله صار بعيدًا. فنبدأ نفتّش عن الطمأنينة في ضجيج العالم، ونظنّ أنّ الجواب موجود في أماكن جديدة، فيما الحقيقة تنتظرنا في العمق الذي أهملناه طويلًا.

غير أنّ الربّ لا يترك الإنسان أسير عماه الداخلي. هو يقترب بصمت، كما مع تلميذي عمّاوس (لوقا 24: 13-35)، يرافق، يصغي، ويفتح أمام القلب بابًا للفهم. لا يفرض حضوره بقوّة، بل يكشفه تدريجًا لمن يقبل أن يتوقّف، أن يسمع، وأن يراجع قراءته لما جرى. كثيرًا ما نظنّ أنّ حياتنا سلسلة خسارات متفرّقة، لكن حين تُضاء بنور الله، نكتشف أنّ حتى الجراح يمكن أن تصبح موضع عبور نحو نضج أعمق ورجاء أنقى.

المشكلة ليست دائمًا في غياب العلامات، بل في اعتيادنا عليها من دون انتباه. تمرّ الكلمة على مسامعنا فلا تهزّنا، ونشهد الخير حولنا فلا نقرأ فيه أثر النعمة، ونتلقّى عطايا كثيرة فيما القلب مشغول بما ينقصه. لذلك يبقى الإنسان محتاجًا إلى يقظة داخلية تعيده من التشتّت إلى الجوهر، ومن السطح إلى المعنى. فعندما يهدأ الضجيج، يبدأ المرء في تمييز حضور الله فيما كان يبدو عاديًا جدًا: في كلمة صادقة، في مصالحة متأخّرة، في خدمة تُقدَّم بخفاء، في شخص يمدّ يده في وقت الانكسار.

ومن هنا تنبع ضرورة العودة إلى الشركة لا إلى العزلة. فالإيمان لا ينمو في الانغلاق، بل في اللقاء. الإنسان حين ينعزل يضخّم جراحه، أمّا حين يدخل مجددًا في علاقة حيّة مع جماعة تصلّي وتخدم وتغفر، يكتشف أنّ الرجاء ليس فكرة بل خبرة مشتركة. هناك يتعلّم أن الله لا يلتقيه فقط في التأمّل الشخصي، بل أيضًا في وجوه الآخرين، في الصلاة الجماعية، وفي المحبة التي تتجسّد أفعالًا يومية بسيطة.

هكذا تتحوّل الطريق من مساحة هروب إلى مكان كشف. وما كان يبدو نهاية يصير بداية جديدة. فالإيمان ليس إنكارًا للوجع، بل قراءة جديدة له على ضوء حضور لا ينطفئ. وعندما تنفتح العين الداخلية، لا تتبدّل الظروف بالضرورة فورًا، لكن الإنسان نفسه يتبدّل: يسير بخفّة أكبر، ويقرأ حياته بمعنى أوسع، ويكفّ عن انتظار المعجزات الصاخبة لأنّه تعلّم أن الله يعمل غالبًا بهدوء.

لذلك، كلّ دعوة روحية حقيقية تبدأ من هذا التحوّل: أن نكفّ عن الركض خارج ذواتنا، وأن نسمح للنور بأن يدخل من جديد إلى مساحتنا المظلمة. عندها فقط نفهم أنّ الربّ لم يكن غائبًا في أيّ مرحلة، بل كان أقرب إلينا ممّا تصوّرنا، ينتظر لحظة انفتاح واحدة ليحوّل التعب إلى دفء، والحيرة إلى بصيرة، والمسير المتعب إلى عودة مملوءة حياة.

اترك تعليقاً