رندلى جبور لشرقنا: كل إنسان لا يزال يملك الإنسانية لا بدّ أن يتألم لما يتعرض له أهل الجنوب

You are currently viewing رندلى جبور لشرقنا: كل إنسان لا يزال يملك الإنسانية لا بدّ أن يتألم لما يتعرض له أهل الجنوب

زينا خليل معوشي-

حين يجتمع الشغف بالمهنة مع صلابة الموقف الإنساني والوطني، يصبح الإعلام رسالة لا تبحث عن مكسب، وتصبح الكلمة أمانة. في هذا الحوار المفتوح والعميق، نلتقي بإعلامية لطالما اختارت الصدق طريقاً، ونقيبة تدافع عن كرامة العاملين في المهنة وسط عاصفة من التحديات المعيشية والمهنية. بين أروقة الجامعات وأستوديوهات الأخبار، وعتمة السياسة ونور الأدب والرواية، تأخذنا في رحلة بوح شفافة حول صراع البقاء للإعلام التقليدي، وطعم الحنين والوجع القادم من قرى الجنوب اللبناني.

مع الكاتبة والإعلامية رندلى جبور، نقيبة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع، في حوار القلب والعقل.

 

  كيف بدأت رحلتك في عالم الإعلام؟ وما هي اللحظة أو التجربة التي جعلتك تقررين احتراف هذا المجال؟

منذ الصغر، كلما سألوني: “ماذا ستفعلين عندما تكبرين؟”، كنت أُجيب: “صحافية”. لم أكن أعرف الكثير عن هذه المهنة، ولكنني كنت أعرف أنني أختارها وكأنها هي من يختارني. كانت لعبتي المفضلة أن أضع على طاولة كتباً وأوراقاً وهاتفاً أرضياً على أساس أنني صحافية أمارس المهنة، وكنت في عمر لا يتجاوز 14 عاماً. وبدأتُ باكراً بمتابعة الصحف والمجلات والأخبار على التلفزيون والوثائقيات وغيرها من المواد الإعلامية، حتى إنني أتذكر أحداثاً حصلت منذ أكثر من خمس وعشرين سنة. بالتالي، ليس هناك لحظة محددة، إنما شعور بالشغف.

بصفتك نقيبة للعاملين في الإعلام المرئي والمسموع، ما هي أبرز التحديات التي يواجهها الإعلاميون في لبنان اليوم، خصوصًا على الصعيد المهني والمعيشي؟

الإعلاميون الشرفاء يعانون كثيراً في هذه الأيام.

أولاً: رواتبهم متواضعة وبالكاد تكفيهم لقمة العيش.

ثانياً: ليسوا جميعاً مضمونين أو لديهم أي جهة ضامنة عامة أو خاصة.

ثالثاً: مع التطور السريع في المهنة، يضطر الإعلامي المخضرم للتعلم بشكل مستمر وإلا فقد فرصته، وبعض وسائل الإعلام، وخاصة منها المنصات، باتت تفضل خريجين جدداً.

أيضاً، هناك تحديات تفرضها المؤسسات من خلال السياسة العامة التي تتبعها، فيصبح من الصعب لإعلامي مثلاً أن ينتقل من وسيلة تتبع سياسة معينة إلى وسيلة أخرى تتبع سياسة معاكسة.

كما أن كلفة إطلاق مشروع إعلامي خاص هي كلفة عالية جداً، ولا يمكن لفرد عادي أن يؤمن رأسماله.

  أنتِ أيضًا أستاذة جامعية. كيف توفّقين بين العمل الأكاديمي والعمل الإعلامي الميداني؟ وهل تشعرين أن التدريس أثّر في أسلوبك الإعلامي أو العكس؟

هما مكانان يكملان بعضهما البعض. فبالاحتكاك اليومي مع الجيل الشاب، يصبح علينا أن نواكب التطور كما هم وليس بنسبة أقل؛ وبالتالي التعليم الجامعي يطوّر الأستاذ أيضاً وليس التلامذة فقط.

كما أن من يمتلك خبرة بالعمل الإعلامي الميداني يمكنه أن يوصل المعلومات بشكل حي وأفضل بكثير من أصحاب الشهادات الذين اكتفوا بالمشوار الأكاديمي النظري ولم يمارسوا المهنة.

أنا أنقل الطلاب إلى عالم الإعلام مباشرة وليس فقط إلى الكتاب أو النظرية أو المعلومة، والطلاب ينقلونني إلى عالمهم الحديث وأفكارهم التي قد لا تكون واردة في بالي.

  بصفتك كاتبة، ما هي المواضيع التي تجدين نفسك أقرب إليها في الكتابة؟

مع أن وجهتي الأساسية هي السياسة، وأحبها وأكتب كل يوم عنها أو أتحدث بها، لكن الحقيقة أنني أهوى أكثر بعد الكتابة الروائية. وقد صدر لي حتى الآن روايتان هما “أيلا” و”حياتي الثانية”، والرواية الثالثة على الطريق بإذن الله. أحب الكتابة التي تحوي كمّاً من الأفكار والعواطف والمشاعر وعلم النفس ومحاكاة الإنسان بقصصه. فهذه الكتابة أهرب بها من متاعب السياسة والمهنة الإعلامية إلى دواخل الإنسان والخيال والحكايات الجريئة والأحداث التي يواجهها كل منا؛ من الحب إلى المرض والموت والخذلان وغيرها.

  كيف تنظرين إلى تطور الإعلام في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع صعود منصات التواصل الاجتماعي والصحافة الرقمية؟ وهل تعتبرين ذلك فرصة أم تهديدًا للإعلام التقليدي؟

يمكن لذلك أن يشكل فرصة إذا أحسنّا استخدامه، ويمكن أن يشكل تهديداً إذا لم نعرف كيف نحافظ على مهنتنا بروحها الإنسانية.

فالتطور يساعد في الوصول أسرع إلى المعلومة والنشر الأسرع، ويفرض تحدي المنافسة الحقيقية ويفتح فرص عمل ومجالات أوسع في المهنة.

ولكن الخوف هو أن يحل الذكاء الاصطناعي مكان الإعلامي، فيصبح هو الكاتب والمذيع والمراسل والمصور، ويتفوق على الإنسان الإعلامي ويقضي على حضوره ويقلص فرص العمل.

  ما هي النصيحة التي تقدمينها للشباب والشابات الذين يطمحون لدخول مجال الإعلام اليوم؟

اعرفوا ما هو هذا الاختصاص وهذه المهنة. لا تقتحموه قبل أن تعرفوا ما هو. واعرفوا أن سر النجاح هو العمل الكثير والكبير والمواكبة الدائمة والجلد والصبر والحشرية المحببة. وعليكم أن تبقوا على نفس الوتيرة من العمل لأن الناس ينسون بسرعة. هي مهنة لا تقابل من يعطيها بالمثل، ولكن مع ذلك إذا كانوا يمتلكون الشغف فهي تستحق. هي مهنة رسالية لا تدر الكثير من المال إذا سلكنا فيها الطريق المستقيم. إذا كنتم تفتشون عن جمال مهنة فاختاروها، وإذا كنتم تفتشون عن مستقبل مضمون مادياً فلا تسلكوا هذه الطريق.

  بعيدًا عن التحليل السياسي، إلى أي مدى تؤثر فيكِ شخصياً الصور والمشاهد القادمة من الجنوب اللبناني ومعاناة الناس الذين يعيشون هذه الظروف؟ وما هو شعورك تجاه معاناة الأهالي هناك، بمعزل عن أي موقف سياسي؟

كل إنسان لا يزال يملك الإنسانية والتعاطف في داخله لا بدّ أن يتألم لما يتعرض له أهل الجنوب، ولما يتعرض له الجنوب بذاته. المشاهد مؤلمة، والأكثر ألماً أنني أعرف هذه القرى والبلدات وأعرف هؤلاء الناس جيداً. بالتالي، ليس ما أشاهده صوراً فقط، بل هو حقيقة ألمسها وأعيشها مع ناس في قمة الطيبة والكرم والعطاء ولقمة التعب والمعاناة بنفس الوقت.

اترك تعليقاً